Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition Number
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Genres
التصرفات، فمن ذلك نزوله ﵊ في المكان الذي اختاره في هذه الغزوة. فقد وجدنا كيف أن الحباب أشار بالتحول عنه إلى غيره ووافقه ﵊ في ذلك، وذلك بعد أن استوثق الحباب ﵁ أن اختيار النّبي ﷺ لذلك المكان ليس بوحي من عند الله.
ومن ذلك كثير من تصرفاته التي تدخل تحت السياسة الشرعية والتي يتصرف فيها النّبي ﷺ من حيث إنه إمام ورئيس دولة لا من حيث إنه رسول يبلغ عن الله تعالى، مثل كثير من عطاءاته وتدابيره العسكرية. وللفقهاء تفصيل واسع في هذا البحث، لا مجال لعرضه في هذا المقام.
٦- (أهمية التضرع لله وشدة الاستعانة به): لقد رأينا أن النّبي ﷺ كان يطمئن أصحابه بأن النصر لهم، حتى إنه كان يشير إلى أماكن متفرقة في الأرض ويقول: «هذا مصرع فلان»، ولقد وقع الأمر كما أخبر ﵊، فما تزحزح أحد في مقتله عن موضع يده كما ورد في الحديث الصحيح.
ومع ذلك فقد رأيناه يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذي أقيم له، يجأر إلى الله تعالى داعيا ومتضرعا، باسطا كفيه إلى السماء يناشد الله ﷿ أن يؤتيه نصره الذي وعد حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر، والتزمه قائلا: «كفى يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعد» . فلماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن إلى درجة أنه قال: «لكأني أنظر إلى مصارع القوم»، وأنه حدّد مصارع بعضهم على الأرض؟
والجواب؛ أن اطمئنان النّبي ﷺ وإيمانه بالنصر، إنما كان تصديقا منه للوعد الذي وعد الله به رسوله، ولا شك أن الله لا يخلف الميعاد، وربما أوحي إليه بخبر النصر في تلك الموقعة.
أما الاستغراق في التضرع والدعاء وبسط الكف إلى السماء، فتلك هي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها الإنسان، وذلك هو ثمن النصر في كل حال.
فما النصر- مهما توفرت الوسائل والأسباب- إلا من عند الله وبتوفيقه، والله ﷿ لا يريد منّا إلا أن نكون عبيدا له بالطبع والاختيار، وما تقرّب متقرّب إلى الله بصفة أعظم من صفة العبودية، وما استأهل إنسان بواسطة من الوسائط استجابة دعاء من الله تعالى، كما استأهل ذلك بواسطة ذلّ العبودية يتزيّى ويتبرقع به بين يدي الله تعالى.
وما أنواع المصائب والمحن المختلفة التي تهدد الإنسان في هذه الحياة أو تنزل به، إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته، وتصرف آماله وفكره إلى عظمة الله ﷾ وباهر قدرته، كي يفرّ إليه ﷾ ويبسط أمامه ضعفه وعبوديته، ويستجير به من كل فتنة وبلاء، وإذا استيقظ الإنسان في حياته لهذه الحقيقة وانصبغ سلوكه بها، فقد وصل إلى الحدّ الذي أمر الله عباده جميعا أن يقفوا عنده وينتهوا إليه.
1 / 162