112

Fiqh As-Seerah

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition Number

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

Genres

وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» . قال عبادة بن الصامت: «فبايعناه على ذلك» «٣٤» . فلما أرادوا الانصراف بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان يسمى مقرئ المدينة. العبر والعظات: أرأيت كيف بدأ التحول في طبيعة ما كان يلاقيه النّبي ﷺ طوال هذه السنوات التي خلت من عمر بعثته ﷺ؟ لقد أينع الصبر، وبدأ الجهد يثمر، واستغلظ زرع الدعوة وأخذ يستوي على سوقه ليعطي النتيجة والثمار. ولكن، فلنلتفت مرة أخرى- قبل البحث عن الثمرة والبشائر- إلى طبيعة ذلك الصبر النّبوي العظيم، أمام كل تلك الشدائد المختلفة الجسام. لقد رأينا أن النّبي ﷺ لم يكن يقصر الدعوة على قومه من قريش الذين لم يألوا جهدا في إذاقته كل أصناف المحن والمصائب. بل كان يدخل بين القبائل الآتية من خارج مكة من شتى الجهات والأطراف بمناسبة موسم الحج، فيعرض نفسه كدلال عليهم ويدعوهم إلى بضاعة الدّين وكنز التوحيد، ويذهب ويجيء بينهم فلا يرى مجيبا له. روى أحمد وأصحاب السّنن والحاكم وصححه: أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي؟!» «٣٥» . إحدى عشرة سنة، والرسول ﷺ (بأبي هو وأمي) يعاني من حياة لا راحة فيها ولا استقرار، تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله، وتصب عليه ألوانا من المحن والشدائد، فلا ينقص ذلك شيئا من عزيمته ولا يضعف شيئا من قوته وسعيه. إحدى عشرة سنة، والرسول ﷺ يعاني من غربة هائلة مظلمة بين قومه وجيرانه وكافة الجماعات والقبائل المحيطة به، فلا ييأس ولا يضجر ولا يؤثر ذلك على شيء من أنسه بربّه ﷿. إحدى عشرة سنة من الجهاد والصبر المتواصل في سبيل الله وحده، هي الثمن والطريق إلى

(٣٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفود الأنصار وبيعة العقبة. ومسلم في كتاب الحدود. وفي اشتراك عبادة في هذه البيعة كلام طويل، انظر تحقيق ذلك في فتح الباري عند شرح هذا الحديث. (٣٥) فتح الباري: ٧/ ١٥٦، وزاد المعاد: ٢/ ٥٠، وانظر الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد: ٢٠/ ٢٦٩

1 / 117