764

Fī al-adab al-ḥadīth

في الأدب الحديث

Regions
Egypt

وازدراؤه العلم الذي انتهك حرمات تلك الآثار الغالية واقتحم جلالها، وتفضيله الجهل البريء عليه معنى بديع جدا من صبري؛ لأن العلم لم يستطع # حتى اليوم على الرغم من تبجحه أن يكشف عن كل عظمتهم، وأن يصل إلى بعض أسرارهم، ورحم الله أبا العلاء المعري حين قال:

إذا علمي الأشياء جر مضرة ... إلي فإن الجهل أن أطلب العلما

فالجهل بأسرار المصريين القدماء قد أضفى على آثارهم هالة من المجد الغامض، ونظرة من التقديس، أما العلم فقد حاول أن يفسر هذه الأسرار ويدنيها من عقول المعاصرين، وهذا يذهب من روعتها وقدسيتها.

وتعد هذه القصيدة على الرغم مما ذكرت لك من أحسن شعر صبري، بل من أحسن الشعر الحديث، في غرضها ومعانيها وديباجتها، وحسبه هذا فخرا.

ومن الأغراض التي عقد لها باب خاص في ديوان صبري "الشكوى من الحياة" وهي من باب الزهد، وذم الدنيا، وتدل على نظرة متشائمة وهكذا كان صبري متبرما بالحياة، راغبا عنها يتعجل الموت، ويتمناه، كما كان غير راض عن الناس، شأنه في ذلك شأن بعض الزاهدين الحكماء أمثال أبي العلاء، وأبي العتاهية، وصالح بن عبد القدوس وغيرهم، وإن لم يبلغ مبلغهم في زهدهم وفلسفتهم الحكمية.

ومن القصائد الطريفة التي وردت في هذا الباب قوله عن "الساعة" وقد دخل مرة كنيسة "رمس" المشهورة بفرنسان، فرأى مكتوبا على عقرب إحدى ساعتها ما ترجمته: "كلهن جارحات، والأخيرة القاتلة" يريد ساعات العمر، والساعة الأخيرة، فأوحت إليه هذه العبارة بالمعاني التي أتى بها في قصيدة "الساعة".

كم ساعة آلمني مسها ... أزعجتني يدها القاسية

فتشت فيها جاهدا لم أجد ... هنيهة واحدة صافية

وكم سقتني المر أخت لها ... فرحت أشكوها إلى التالية

فأسلمتني هذه عنوة ... لساعة أخرى وبي ما بيه

ويحك يا مسكين هل تشتكي ... جارحة الظفر إلى ضارية # حاذر من الساعات ويل لمن ... يأمن تلك الفئة الطاغية

Page 385