619

Al-Fatḥ al-Mubīn bi-sharḥ al-Arbaʿīn

الفتح المبين بشرح الأربعين

Publisher

دار المنهاج

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م

Publisher Location

جدة - المملكة العربية السعودية

ونظيره: قول آخر في قسمةٍ قسمها النبي ﷺ: إنها لقسمةٌ ما أُريد بها وجه اللَّه، فبلغه ﷺ ذلك فغضب، ثم قال: "يرحم اللَّه أخي موسى؛ لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر" (١).
وفيه فضيلة الصبر، وفضائله كثيرة؛ منها: أنه تعالى جعل في مطلق الأعمال الحسنة بعشر، والصدقة بسبع مئة مع المضاعفة عليها لمن يشاء تعالى، وجعل جزاء الصابرين بغير حساب، ومر ذلك قريبًا.
وسبب تميزه بذلك: ما فيه من مجاهدة النفس وقمعها عن شهواتها مع كونها جُبلت على الانتقام ممن آذاها، ومن ثم شقَّ عليه ﷺ ما نسبه إليه هذان، لكن سكَّن ذلك منه علمُهُ بعظيم جزاء الصبر، وورد: (أنه نصفُ الإيمان) (٢)، وأنه: لا عطاءَ خيرٌ ولا أوسع منه.
ويوافق حديث الباب أيضًا قوله ﷺ: "والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وولده، وأهله، والناس أجمعين" رواه الشيخان (٣).
واستفيد منه توقف الإيمان على تقديم محبته ﷺ على محبة جميع الخلائق، ومحبته تابعةٌ لمحبة مُرسِلِه، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، وكلا هذين من جوامع كلمه ﷺ، أما الأول. . فلما مر في شرحه، وأما الثاني. . فلأنه جمع فيه أقسام المحبة الثلاثة: محبة الإجلال كمحبة الوالد، والشفقة كمحبة الولد، والاستحسان والمشاكلة كمحبة سائر الناس.
فمعنى الحديث: أَن مَنِ استكمل الإيمان. . علم أن حقه ﷺ آكد من حق أبيه وأمه والناس؛ لأنه استنقذنا من النار، وهدانا من الضلال، بل ومن حق نفسه، ومن ثم وجب بذلها دونه.

(١) تقدم تخريجه (ص ٣٣٨) في شرح الحديث السادس عشر.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٤٦) من قول سيدنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٣) صحيح البخاري (١٥)، وصحيح مسلم (٤٤) عن سيدنا أنس ﵁.

1 / 623