539

Fatḥ al-bayān fī maqāṣid al-Qurʾān

فتح البيان في مقاصد القرآن

Publisher

المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر

Publisher Location

صَيدَا - بَيروت

Regions
India
والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل. بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر.
والمراد أنه لا يعتريه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم لكونها تتقدمه في الوجود فهو على حد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما يتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكرارًا، قلنا تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه نوم والله أعلم بمراده انتهى.
وأقول إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس، وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السِّنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعًا.
وأيضًا فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقَع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة فكم من ذي سنة غير نائم.
وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما فالسنة النوم الخفيف، والنوم هو الثقيل المزيل للعقل والقوة، والوسنان بين النائم واليقظان.
والجملة نفي للتشبيه بينه تعالى وبين خلقه والله منزّه عن النقص

2 / 90