Fatāwā al-Subkī
فتاوى السبكي
Publisher
دار المعارف
وَجِدَادُ النَّخْلِ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَعَ قُرْبِهِ كَمَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ لَهَا السُّكْنَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ حَمْلًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] عَلَى جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ أَوْ يَقُولَ لَهَا كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ حَمْلًا لِلْآيَةِ عَلَى الرَّجْعِيَّاتِ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي رِوَايَتِهَا فِي الْمَبْتُوتَةِ أَنَّهَا لَا سُكْنَى لَهَا، وَيَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِأُولَاتِ الْأَحْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ وَأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ كُلِّهِنَّ، وَلِهَذَا رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. وَالتَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَبِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى أَنَّ صَدْرَهَا خَاصٌّ بِالرَّجْعِيَّاتِ مَمْنُوعٌ، وَيَكْفِي عَوْدُ الْآيَتَيْنِ إلَى بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُنَّ الرَّجْعِيَّاتُ لِاشْتِمَالِ الْمُطَلَّقَاتِ اللَّوَاتِي فِي صَدْرِ الْآيَةِ عَلَيْهِنَّ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهَا وَلَا سُكْنَى فَهُوَ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّ السُّنَّةَ مَعَ فَاطِمَةَ لَا مَعَ عُمَرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ ابْنِ حَزْمٍ مَرْدُودٌ وَعُمَرُ أَفْهَمُ مِنْهُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَمِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِثْلَهُ. وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ مَعْرُوفَةٌ وَكَانَتْ فِيهَا بَذَاءَةٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا شَرٌّ فَلِذَلِكَ أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْخُرُوجِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهَا " اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ " وَإِنَّمَا عَيَّنَ لَهَا مَنْزِلًا وَهِيَ كَتَمَتْ السَّبَبَ الَّذِي اقْتَضَى لَهَا الِانْتِقَالَ وَهُوَ الشَّرُّ وَإِنَّمَا صَرَّحْنَا بِهِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهَا رِيبَةٌ، وَمَعَاذَ اللَّهِ فَهِيَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُنْكِرُ عَلَيْهَا كِتْمَانَهَا السَّبَبِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عُمَرُ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ يُشِيرُونَ إلَيْهِ وَيَعْرِفُونَهُ فِي بَلَدِهِمْ وَحُضُورِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ ابْنُ حَزْمٍ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَ الَّذِي طَلَّقَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ غَائِبًا وَلِوَلِيِّ الْغَائِبِ مَا لَهُ مِنْ إخْرَاجِهَا بِالْعُذْرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ الْغَائِبِ فَيَفْرِضُ لَهَا مَنْزِلًا فَيُحْصِنُهَا فِيهِ يَعْنِي فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِالِاعْتِدَادِ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَجْلِ اسْتِطَالَتِهَا
2 / 316