Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
Genres
ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثوابًا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذابًا للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه اختبارًا، وبسطًا لغيرهم اعتبارًا واغترارًا؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنعه بمحمد المصطفى ﷺ وموسى المختار ﵇ بالكلام له ومناجاته، فأما محمد ﷺ فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى ﵇ فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هذاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعامًا يأكله من جوعه. ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلًا فقل مرحبًا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلايتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان بن داود ﵉، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكيًا حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله ﷿، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعبر وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي الروح ويسكن القرم وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فغربت عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعًا، والمتلذذ بها أشرًا.
1 / 44