Faṣl al-khiṭāb fī al-zuhd waʾl-raqāʾiq waʾl-ādāb
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
Genres
(أو عابر سبيل) قال الطيبي: الأحسن جعل أو بمعنى بل شبه الناسك السالك بغريب لا مسكن له يأويه ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر سبيل لأن الغريب قد يسكن بلد الغربة وابن السبيل بينه وبين مقصده أودية رديئة ومفارز مهلكة وقطاع وشأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة قال بعض العارفين: الأرواح خلقت قبل الأجساد ثم أفيضت من عالمها العلوي النوراني فأودعت هذا الجسد الترابي الظلماني فاجتمعا اجتماع غربة كل منهما يشير إلى وطنه ويطير إلى مسكنه فالبدن أخلد إلى الأرض والروح بدون السموّ لم ترضَ. راحت مشرقة ورحت مغربًا * شتان بين مشرق ومغرب.
[*] قال ابن رجب: "وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يُهيِّئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم .. ".
[*] قال على بن أبي طالب ﵁: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.
وما ترك النبي ﷺ فرصة إلا ذكَّر أصحابه بالموت وما بعده.
(حديث البراء ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
وهكذا سار السلف من بعد نبيهم ﷺ يذكرون الموت ويُذكّرون الناس به .. فهذا أويس القرني ﵀ يخاطب أهل الكوفة قائلًا: يا أهل الكوفة توسدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم.
إنَّ في ذكر الموت أعظم الأثر في إيقاظ النفوس وانتشالها من غفلتها، فكان الموت أعظم المواعظ.
قيل لبعض الزهَّاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات.
وقال آخر: من لم يردعه القرآن والموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
من استعدَّ للموت جدَّ َفي العمل، وقصَّر الأمل.
[*] يقول اللبيدي: رأيت أبا اسحاق في حياته يُخرج ورقة يقرؤها دائمًا، فلما مات نظرت في الورقة فإذا مكتوب فيها: أحسن عملك فقد دنا أجلك .. أحسن عملك فقد دنا أجلك.
إنَّ الذي يعيش مترقبًا للنهاية يعيش مستعدًا لها، فيقلُّ عند الموت ندمه وحسراته.
1 / 196