«إن تاريخ مذاهب اليونان الفلسفية يدل على أن حركة الفكر وحلقات الدرس في هذا الشعب الممتاز كانت متواصلة، فإذا أردنا أن نعرف النبع الذي استقى منه القورينيون أصل الفكرة في نظريتهم في المعرفة، وجب علينا أن نعود بالقارئ لماما إلى مقررات لوسيفوس وإلى مذهب ديمقريطس في الذرات.»
نظرية المعرفة عند القورينيين
ألمعنا من قبل إلى نظرية المعرفة عند القورينيين عندما لخصنا عن الأستاذ إردمان شرحه للعنصر الأساسي في فلسفة أرسطبس، وقد جاء في ذلك التلخيص ما يلي : «إن النتيجة التي تترتب على القول بأن كل «المعرفة» إدراك بالحس
Sense perception
وأن كل إدراك بالحس إنما «ندرك» به كيف أثر فينا ذلك الإدراك، تحصر «معرفتنا» في الوقوف على حالات «الوعي» أو الشعور
Consciousness
الكائن في تضاعيفنا، وعلى هذا يكون إدراك حالات الوعي النفسي وأساليبها، كل ما في مذهب أرسطبس من علاقة بالطبيعة.»
كذلك اضطررنا إلى الكلام في نظرية «المعرفة عند القورينيين» عندما تكلمنا في علاقة أفلاطون بالنظرية القورينية في كتابه «ثياطيطوس». غير أننا نريد قبل أن نمضي في بحث هذه النظرية أن نقرر أمرا ذا بال، فنتساءل: «أكانت نظرية اللذة عند أرسطبس الأصل الذي جره إلى وضع نظرية المعرفة، وقوله: إن المعرفة «إدراك بالحس» أم كانت نظرية المعرفة هي الأصل الذي جره إلى نظرية اللذة؟»
والراجح عندي أن نظرية المعرفة كانت الأصل الذي جره إلى القول بنظريته في اللذة، والحكم بأن اللذة هي الخير الأسمى، وأن لذة «الحس» أسمى اللذات جميعا كما سيتضح لك من سياق هذا البحث.
ويجدر بنا قبل أن نتغلغل في صميم هذا البحث، أن نلمع ثانية إلى العلاقة الفكرية والمذهبية التي تربط بين بروطاغوراس وأرسطبس. فقد سبق لنا أن قررنا أنه من المستطاع أن نرد فكرة أرسطبس إلى مبدأ رئيس، قال به الفيلسوف بروطاغوراس إذ قضى بأن معرفة الإنسان تقف عند الحد الذي تؤهل به إليه حواسه، كذلك أثبتنا أن الآصرة التي تربط بين الحواس واللذة، أمتن الأواصر وأقواها، فإذا أضفنا إلى هذا قول بروطاغوراس: «إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف إلا ما يظهر له (أي الظواهر) لا ما هي طبيعة الأشياء في ذاتها (أي الماهيات)» - استطعنا أن نجر إلى ذهن القارئ حقائق تكفي عنده لتأييد ما نرجحه من أن نظرية أرسطبس في المعرفة كانت الأصل الذي استمد منه فكرته في اللذة، ذلك بأن الواقع كما قررنا من قبل أن الوعي أو الشعور الذي هو أساس المعرفة عند أرسطبس، إنما تلابسه إحدى حالات ثلاث: إما عنف، وإما اعتدال، وإما سلب. وهذه الحالات بعينها هي التي أثبتها أرسطبس تمييزا لدرجات اللذة، وإذن يكون مذهب أرسطبس الأخلاقي - وبالأحرى السلوكي - تقريعا على مذهبه في المعرفة، الذي استمده أصلا من بروطاغوراس. •••
Unknown page