ولقد جهر فرنسيس دروين في خطاب الرئاسة الذي ألقاه في مجمع العلوم البريطاني الذي التأم في «دبلن» أنه من أنصار سيمون. كما أن العلامة هيكل لم يتردد في أن يعبر عن اعتقاده الثابت في أن مذهب سيمون يعد أكبر دعامة ترتكز عليها نظرية دروين في الانتخاب الطبيعي.
ولكن ألا يمكن أن تكون نظرية سيمون هذه فيها أصول تمت إليها تطبيقات پافلوف بأقوى الأسباب؟ هذا ما يحتاج إلى درس ليس هنا موضعه، ولكن يكفي أن نقول في تطبيق مبدأ سيمون على الأخلاق والآداب، إننا لا نجد صعوبة تحول دون القول بأن تكرار «الفعل الأدبي» حادثا بما تبعث في النفس قوة الإرادة من عوامل «التنبه»؛ لا يقتصر على أن يصبح عادة ثابتة في الفرد، بل يحدث تغييرا ثابتا في طبيعته تتوارثه الأجيال المتعاقبة، ماضيا في الارتقاء جيلا بعد جيل.
وهنا يجدر بنا أن نذكر أن «الذاكرة اللاشعورية» قد خرجت من حيز النظريات إلى حيز العلم التجريبي. فقد سبق لنا أن شرحنا تطبيقات پافلوف في الأفعال العكسية «المتحولة»، ولنا اليوم أن نقول إن هذه التطبيقات أخذت تتدخل في العلوم الأخرى، فإن الدكتور متالنيكوف أحد علماء معهد پاستور بباريس استطاع أن يولد في الأجسام الحية «ذاكرة لا شعورية» بها يمكن أن تتقى الأمراض، وكانت الطريقة التي اتبعها هي نفس الطريقة التي اتبعها پافلوف في الاستعانة بمنبه خاص عند العمل على توليد فعل عكسي متحول.
فمن المعروف أن فائدة الأمصال التي تحقن بها الأجسام الحية توقيا من المرض، إنما تكسب الجسم مناعة بطريق ما تولد فيه من الوحدات المضادة للمرض
Anti-bodies
وتوليد هذه الوحدات موقوف على الحقن بالمصل الواقي من المرض. فأجريت تجربة على «خنازير الهند» حقنت بمصل واق من مرض من الأمراض الميكروبية ثم حقنت بمكروب المرض نفسه، بعد أن مضت مدة الحصانة، فمرضت. وحقنت غيرها بالمصل الواقي من هذا المرض غير أنه زيد على هذه التجربة أن عملية الحقن كانت تقترن بقرع جرس، وأعيدت عملية الحقن بالمصل مع قرع الجرس سبع مرات، وبالضرورة تولدت فيها مناعة ضد المرض الذي حقنت بالمصل الواقي منه، فلما أن مضت مدة الحصانة حقن بعضها بمكروب المرض فمرضت، أما الباقي فحقن بمكروب المرض بعد أن قرع لها نفس الجرس الذي كان يقرع وهي تطعم بالمصل الواقي فلم تمرض! لأن الوحدات المضادة تكونت في جسمها بفعل عكسي متحول، بمجرد أن تنبهت «ذاكرتها اللاشعورية» تنبيها عمليا.
على هذه القاعدة التي تلتئم ومذهب دروين، وتؤيد نزعة القورينيين في الوقت نفسه تقضي بأن ارتقاء الفرد من حيث الإحساس الأدبي ارتقاء راجعا إلى جهاده المستمر في سبيل التخلص من بواعث الاستغواء ونزعاته - لا بد من أن يكون قد حفز الإنسان إلى منازل ذات بال من الرقي فرديا واجتماعيا، ما دام قد ثبت لدينا أن كل فعل تنبهي ممثل لقوة تبعثها في الإنسان حواسه الأدبية، محتوم أن تحتفظ به الطبيعة كأثر ثابت في الأفراد، ينتقل إلى أعقابهم بالوراثة.
هوامش
الفصل السادس
نظرية المعرفة عند القورينيين
Unknown page