وبالاختصار فإن الأخلاق، من حيث إنها مصدر للسعادة البشرية، «ليس لديها ما تقدمه هنا فيما عدا الرضا النرجسي الذي يرجع إلى اعتقاد المرء بأنه أفضل من الآخرين».
11
أي إن اعتقاد الإنسان بأن من الممكن توجيه السلوك البشري والتحكم فيه بالأخلاق العقلية ليس إلا واحدا من أوهامه الكبرى.
أين نحن إذن؟ يمكن القول إننا حتى لو أقللنا من قدر أفكار «سمنر» و«باريتو» و«فرويد» على أساس أنها أنصاف حقائق مبالغ فيها، فإن النصف الباقي يظل يشكل كتلة هائلة تعترض مباشرة طريق التفكير الأخلاقي المعاصر. وهكذا نستطيع أن ندرك الآن السبب الذي جعل بعض المفكرين يتراجعون إلى اتخاذ الموقف الحدسي، وهم يهتفون: «مغالطة المذهب الطبيعي! ...» وكأنها سبة. كذلك نستطيع أن ندرك السبب الذي جعل غيرهم ينسحبون إلى نزعة الشك وهم يصيحون: «لا أمل! لا أمل!» ... ولكن قد يكون من العسير أن ندرك ما الذي يدعو صاحب المذهب الطبيعي في الأخلاق إلى أن يغرق في خضم تلك المجموعة الهائلة من المعطيات الاجتماعية النفسية محاولا إيجاد أساس سليم لأحكام القيم.
ولو سألنا أصحاب المذهب الطبيعي الأخلاقي هؤلاء، الذين هم حقا أناس يتصفون بقوة العزيمة، عن هذا الموضوع، لكان ردهم: «أين هو الشيء الآخر الذي نستطيع أن نجد فيه أساسا متينا لنظريتنا في القيم؟ وأن نستطيع أن نأمل في إيجاد مكان لها، بعد رفض المذهب فوق الطبيعي القائل بأن للقيم أساسا سماويا، والرأي الحدسي القائل إنها فريدة في نوعها، واضحة بذاتها، لا ترتبط بالطبيعة أو بالتجربة البشرية بأسرها؟ من الواضح أن الطبيعة (وضمنها الإنسان ذاته) هي المصدر الوحيد الباقي. ولما كانت معرفتنا بالطبيعة تأتي من العلم، وأفضل معرفة لنا بالطبيعة البشرية تأتي من العلم الاجتماعي، فلا بد لنا من التحالف مع هذين المصدرين.»
وكم كان يسرنا أن نترك لدى الطالب إحساسا يقينيا بأن أصحاب المذهب الطبيعي في الأخلاق يسيرون بخطوات جبارة في المهمة التي أخذوها على عاتقهم وهي تشييد بناء للقيم على أساس من الواقع. ولكن من سوء الحظ أن أي انطباع مرض كهذا لا بد أن يكون مضللا. بل إن المتشبثين من أصحاب المذهب الطبيعي في الأخلاق يعلنون أن تقدما قد حدث في هذا الاتجاه، فقد مهدت الأرض على الأقل، وقيست أبعاد المشكلة. فإذا تذكرنا أن المفكرين الرواد من أمثال سمنر وباريتو وفرويد لم يكشفوا عن ضخامة المشكلة إلا منذ عهد قريب، لوجب علينا أن نعترف عندئذ بأن تمهيد الأرض من حولها ليس بالأمر اليسير.
فهل يعني ذلك كله أن التفكير الأخلاقي المنهجي في أيامنا هذه مضطرب منقسم على نفسه؟ من الواضح أنه يعني هذا بالفعل. وهل يعني أيضا أن المستقبل في علم الأخلاق غير مشجع، بل ميئوس منه؟ إننا عندما نرجع بأنظارنا إلى التاريخ الطويل للتفكير النظري الأخلاقي، لكي نرى كم من الأزمات استطاع هذا التفكير أن يجتازها، لن نعود نصف الموقف الراهن بأنه ميئوس منه، والأفضل أن نصفه بأنه يدعو إلى التروي، وينطوي على تحد، ولكنه ليس مثبطا للهمم. وخلال ذلك، فحتى يجيء الوقت الذي يتسنى فيه للمفكرين الأخلاقيين أن يلموا الشتات ويبدءوا عملهم مرة أخرى على أساس جديد، فقد تكون مهمتنا، بوصفنا أبناء وبنات للقرن العشرين العاصف المضطرب، أن نتعلم كيف نعيش في ظل اللايقين، ونبني حياتنا على الاحتمالات بدلا من القيم المطلقة التي كان يدعيها أجدادنا. ولا يبدو أن لنا، من وجهة نظر الأخلاق؛ أي مخرج آخر، إلا أن نقبل المذهب الحدسي أو المذهب فوق الطبيعي.
الفصل السادس عشر
علم الجمال: ربيب الفلسفة
قد يجد الدارسون الجدد للفلسفة صعوبة في تصور الطريقة التي يمكن أن يندمج بها علم الجمال وفلسفة الفن داخل الإطار العام للفلسفة. ومن أسباب هذه الصعوبة أن معظم الطلاب أقل اهتماما بمشكلات الفن والجمال، وربما أقل معرفة بها، مما هم ببعض المشكلات الأخرى في الفلسفة، كالمشكلات المتعلقة بعلم الأخلاق وبالأخلاق العملية. وينبغي لنا أن نعترف بأن هذا الفرع الذي سندرسه الآن، يحتاج إلى تجربة متخصصة تفوق ما يتسنى لبعض القراء اكتسابه. ولقد أشرنا من قبل إلى أن للمشكلات الأخلاقية طابعا لا يمكن التخلص منه؛ إذ إن من الضروري أن يمارس البشر جميعا ، في كل ساعة من ساعات يومهم تقريبا، ملكة الاختيار لديهم بطريقة تنطوي على نتائج أخلاقية. أما ميدان علم الجمال، فعلى حين أنه مجال متعلق بالقيم، شأنه شأن الأخلاق، وفيه فرص ممكنة للاختيار لا تقل عما توجد في الأخلاق، فإن أناسا قليلين هم الذين نظموا حياتهم بحيث يجدون ممارسة هذا الاختيار الجمالي أمرا لا مفر منه. ففي استطاعة المرء أن يعيش حياة كاملة دون أن يصدر أكثر من حفنة من الأحكام الجمالية، ومن المؤكد أن هناك أناسا كثيرين يعيشون راضين تماما فيما يمكن أن يعد فراغا جماليا.
Unknown page