107

Maḥw al-ummiyya al-tarbawiyya

محو الأمية التربوية

Regions
Egypt
كيفية التعامل مع نوبات الغضب عند الطفل في سنواته الأولى
السؤال
ما هي أسباب حصول نوبات من الغضب عند الطفل؟ وكيف يتم التعامل معها؟
الجواب
الموضوع الذي نتكلم عنه، وهو: ما يسمى بنوبات الغضب، وبالذات في السن التي هي بين سنة إلى سنة ونصف تقريبًا، هذه النوبات تكون ناتجة عن أن الطفل يريد شيئًا معينًا، فإذا لم يحقق له هذا الشيء يصرخ ويرمي بنفسه على الأرض، ويغضب وتستمر هذه النوبة مدة معينة، فمن المظاهر الشائعة عند الأطفال في هذه السن -ما بين سنة إلى سنة ونصف أو ما بعد ذلك- نوبات الغضب، وهذه النوبات ليس شرطًا أن الطفل الصغير يستطيع أن يتحكم بها، حتى إن طفلًا يقول لأمه: يا أمي! أنا حينما أظل أبكي وأصرخ، أريد أن أوقف بكائي لكن لا أستطيع، فهذه النوبات شيء طبيعي وعام عند جميع الأطفال في هذه السن، ولا تعتبر ذات صفة مرضية إلا إذا كانت عنيفة متكررة بشكل زائد، يعني: معدلها كبير وشديد، وتمتد فترة طويلة نسبيًا، في هذه الحالة فقط تعتبر غير طبيعية، لكن في فترة السنة والسنة ونصف يمكن أن تكون نوبات الغضب شيئًا طبيعيًا في بداية هذه المرحلة؛ بسبب ظروف تتعلق بشخصية الطفل من ناحية، وتتعلق بعلاقته بالأبوين من ناحية أخرى، فأما ما يتعلق بالطفل فإن هناك ظروفًا تدفعه إلى هذا السلوك الذي نعده في الأصل طبيعيًا، حيث تدفع الطفل في هذه المرحلة دوافع بدائية قوية، وأقول: بدائية لأنه لم يتعلم بعد كيف يتحكم بهذه الدوافع، وبالتالي تزداد حساسيته لأي شيء يعوقه عن إشباع حاجاته ورغباته التي يرغب فيها، فنجد أبسط المواقف يمكن أن تثير لدى الطفل نوبات الغضب، فطفل السنتين -مثلًا- الذي يعجز عن الوصول إلى رف مرتفع قليلًا، والذي يوجد عليه الحلوى أو الأشياء التي يحبها، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يعبر عن احتياجاته في كلمات، أو أمه لا تدرك بالضبط ماذا يريد، فمثل هذا الطفل يواجه موقفًا لا قِبَلَ له بتحمله، فهو كل شيء يريده لابد أن يتحقق، وهو لا يستطيع أن يعبر عن حاجته بالكلام، أو الذين حوله لا يفهمون ماذا يريد، لكن أحسَّ بالعجز عن إشباع إحدى هذه الحاجات.
فمثل هذا الطفل لا يكون قادرًا على ضبط انفعالاته، فلذلك تجد الاستجابة المباشرة لمثل هذا الموقف هي نوبة من الغضب الشديد، والأمثلة كثيرة ومتكررة بين الأطفال في هذه السن، وقد يكون هذا الشيء تافهًا بالنسبة للكبير وعقليته ونضجه، لكن الطفل لا ينظر له على أنه تافه، فمثلًا: الأكل الذي يقدم له هو يريد أن يكون أول واحد يوضع له الأكل، فلابد أن يكون هو أول واحد يأكل هذا الطعام، فإذا وضع الطعام لشخص آخر يرمي بنفسه على الأرض ويصرخ ويبكي إلى آخره، أو مثلًا: يريد هو أن يتناول الطعام بنفسه ولا يريد أن يساعده أحد، أو يريد أن يفتح الباب بنفسه، فالوالدان إذا لم يتفهما حقيقة مشاعر الطفل في هذه المواقف فقد يزيدان الطين بلة، يعني: يساعدان في تدعيم هذه المشكلة إذا لم يتفهما الأسباب التي تدفع الطفل إلى هذه الأفعال.
وفي الحقيقة مهما حاول الأبوان أن يتفهما الظروف التي تعرض الطفل للضيق، ومهما حاولا أن يساعداه على الاستقلال، أو القيام بأعمال جديدة، ومهما ساعداه على أن يعبر عن رغباته، لكن في الواقع يصعب عليهما أن يتقبلا منه الغضب والعدوانية، حينئذ يواجهان بواجب تربوي هام، وهو كيف يمكن تحويل هذه المشاعر العدوانية من الطفل إلى قنوات أكثر تقبلًا؟ وكيف يساعدانه على ضبط نفسه؟ هنا أمور لا بد من الانتباه الشديد إليها: أولها: أن العقاب قد يؤدي إلى عكس المطلوب، وبالذات العقاب البدني في مثل هذه الحالة قد يزيد المشكلة، ولا يحلها، فمحاولات إسكات الطفل في أثناء النوبة لا جدوى منها؛ لأنها عبارة عن نوبة مثل نوبة المصدوع، فتستمر هذه الثورة إلى أن تأخذ وقتها، فلابد لك أيها الوالد أن تستسلم له، فالشدة والعنف لا يفيدان على الإطلاق في مثل هذه الحالة، بل يؤديان إلى عكس المطلوب، والشدة معه في أثناء النوبة تجعل مدتها تطول أكثر؛ لأن الطفل أثناء هذه النوبة ليس عنده أي استعداد للاقتناع، بل ليس عنده استعداد للاستماع لوجهة نظر أو نصيحة أو تهديد، فلا يمكن أن يفيد العقاب أو التهديد أو العنف في أثناء النوبة!! أيضًا إذا صرخت في وجه الطفل أو ضربته لإسكاته، فإن العنف والضرب يزيد من سوء الحالة، وستطول مدة النوبة، ويكون الطفل غير مستعد لأن يسمع نصائح ولا نقدًا ولا أي شيء، هو دخل فيها فلابد أن يكملها.
بعض الناس قد يصرخ في الطفل، أو يشتد عليه لغرض أن يسكت، وهذا ليس فقط لا يفيد، لكنه يأتي بضرر إضافي، حيث إنه يجعل من الوالدين قدوة سيئة سيتعلم منهما الطفل عكس المطلوب، فالشدة والعنف مع الطفل تأتي بعكس المطلوب؛ لأننا قلنا: ليس هناك حصة اسمها التربية، فالطفل يتعلم الذي يراه طريقة الكلام طريقة الأكل طريقة التعامل مع الآخرين طريقة الرد على الهاتف طريقة التفاعل مع الأحداث، فهو ينظر إلى فعلك ويفعل مثلك، حتى الصلاة يتعلمها بالتقليد والمحاكاة، فالأب والأم هما أسوة وقدوة، وأي خلل في سلوكهما ينغرس في الطفل! وأذكر طفلًا كان في أثناء النوم يصرخ ويبكي ويقول: رأيت أسدًا ضخمًا جدًا مثل الذي رأيته في حديقة الحيوانات، والأسد هذا فتح فمه وأسنانه ظاهرة ويريد أن يأكلني!! فقال له والده: كيف عرفت أن صوته مثل صوت الأسد الحقيقي؟ قال: لأن صوته مثل صوتك يا بابا لما تصرخ، فانظر كيف ترجم عملية الانفعال أمامه، فأنت تعطيه القدوة في كيفية التصرف إذا غضب، فهو يعلم أن الحل أنه يصرخ ويشتد ويغلط؛ لأنه يتعلم نفس السلوك من القدوة.
فإذًا: مواجهة نوبة الغضب بنفس الأسلوب من العنف والشتيمة والتهديد هذا لن يأتي بفائدة تذكر، فالطفل يكون غير مستعد لأن يسمع أي شيء يحجزه عن هذا السلوك، وفي نفس الوقت يعطيه نموذجًا للقدوة السيئة التي يتطبع بها ويتقمصها.
كذلك: لا يجب فرض القيود الكثيرة على حركة الطفل وتصرفاته وانفعالاته، يعني: أعطه شيئًا من الحرية والانطلاق، بعيدًا عن الكبت والتقييد والتعليمات المشددة في كل شيء.
كذلك: وجود التنافس بين الإخوة، وتفضيل بعض الأولاد على بعض، فهذه الظروف المنزلية تتسبب في أن يعاق الطفل عن إشباع احتياجاته الأساسية، وعدم إشباع هذه الأساسيات يؤدي إلى حالة توتر، وحالة التوتر تؤدي إلى وقوع نوبات الغضب التي تحدثنا عنها.
إذًا: كيف يكون التصرف دون ضرب ولا شتم ولا كذا وكذا؟ في هذه الحالة الكبار لا بد أن يواجهوا نوبات الغضب، بأن يظلوا هادئين بقدر الإمكان، لا تغضب أنت أيضًا وتزيد المشكلة، الأب لابد أن يكون هادئًا جدًا بقدر ما يستطيع، ويقترب من الطفل ويتحدث إليه بصوت رقيق هادئ جدًا -لأن هذا الصوت يمكن أن يكون له أثر في تهدئة هذا الطفل- ثم يحمل الطفل بحزم وحنان معًا حتى لو كان يقاوم ويرفس بيديه ورجليه، فيمكن أن يحمل بحزم، بحيث تقيد حركة يديه، وفي نفس الوقت يمكن أن ينقل إلى حجرة أخرى ويوضع فيها، يبقى هناك حتى تنتهي نوبة الغضب؛ لأنه قد تكون نظرات من هم السبب في أن يتمادى؛ لأنه يريد أن يثبت الاحتجاج، لكن لو أنهم تظاهروا بأنهم لم يلاحظوا أنه وقع فإنه سيسكت، أما إذا لاحظ اهتمامهم فإنه يتمادى في البكاء.
يمكن أن ينقل إلى حجرة أخرى ويبقى فيها حتى تنتهي هذه النوبة، لكن لا بد أن يفهم أن هذا الإجراء ليس عقابًا، لا تقل له: سأحبسك في الغرفة، بل خذه -بعدما تكلمه بهدوء- إلى غرفة أخرى، لكن ليس على سبيل العقاب.
ولو تساءلت: لماذا يجب علي أن أتبع معه هذا الإجراء؟ فأجيبك ببساطة: لأنه لا يوجد شيء آخر تقدر على فعله، ولا يوجد حل آخر غير أنك تأخذه إلى حجرة أخرى يبقى فيها حتى تنتهي هذه النوبة.
فإذًا: نوبات الغضب لا يصح أن تواجه بغضب مماثل ولا تواجه بعقاب.
أيضًا: هناك أمر مهم جدًا، وهو: أنه لا يسمح للطفل أبدًا بأن يحصل على أي مطلب عن طريق نوبات الغضب، لابد أن يفهم أن هذه النوبات لا تكون إنجازًا، وليست ميزة له، يعني: حين بكى وعمل ضجة، وحصل على ما يريد، فإن ذلك سيجعله يتمادى في هذه الأشياء، فلابد أن نحسسه أن هذا الفعل لا يؤدي إلى حصوله على ما يريد، وأنه لو أراد شيئًا فإن عليه أن يطلبه بهدوء وأدب، وعندها يمكن أن يحصل على ذلك الشيء، فضروري جدًا ألا يحصل على أي مطالب عن طريق نوبات الغضب، فالنوبات التي تكون قابلة للعلاج بسرعة هي النوبات التي تمر دون مكافأة إلى أن تزول تدريجيًا.
فالمهم أن يطيل الآباء صبرهم، وإن شاء الله يصلون في النهاية إلى نتيجة محققة وكما قلنا: هذه فترة وستمر بسلام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

4 / 37