Dumuc Bilyatshu
دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تنشر لأول مرة
Genres
قال عم عوض وهو يرفع يديه ويعيد تلاوة الفاتحة: أستغفر الله، طبعا يا ابني، هنا يا سيدنا البيه، الله يرحمها ويحسن إليها، راسها تحت الشاهد تمام.
أقبل حسني على القبر الأوسط في خشوع شجع الخفير على الاعتذار مرة أخرى والانصراف إلى نوبة حراسته، وحين وجد نفسه وحيدا بعد أن أغلق الباب عليه لم يدر على التحديد ماذا يفعل.
مد يده إلى القبر وأخذ يمسح بها عليه، تمنى لو تسعفه الدموع أو يشهق بالبكاء كطفل وحيد تعيس، غير أنه كان يعلم أن دمعته بعيدة، وأنها طالما خذلته في مواقف كثيرة لا يستعصي فيها البكاء على أعتى الرجال، وأخذ يفتش عن آية يحفظها من أيام المدرسة فلم تطاوعه إلا الفاتحة التي أخذ يرددها دون تفكير، وأحس بوجهه يلتهب بالخجل، فأخذ يبلغ ريقه كالمتهم الذي وقف الكلام في حلقه أمام المحكمة، كان الوقت بعد العصر بقليل، والهدوء الساكن حوله يزيد من ضربات قلبه ويملأ صدره بالوحشة والرعب، وكانت القبور تنتشر حوله في كل مكان، كلما تلفت وجدها صامتة مستسلمة، غير أنها تبدو كما لو كانت تتعمد هذا الصمت والاستسلام، بل ربما كانت تتربص به أو تدبر شيئا لن تلبث أن تنفجر فجأة لتهدده به، ومع أنه رجل عاش حياته للعلم ونذرها لمحاربة الأوهام والخرافات، فقد كان هناك شيء يقبض على عنقه وصدره ويكاد يخنقه، شيء لم يستطع أن يتبين إن كان خوفا أو خجلا أو توبة من ذنب قديم أو رهبة أمام المجهول الساكن المنتشر كالوحش غير المنظور في كل ذرات الهواء الذي يتنفسه حوله، ولا يدري أيضا لماذا قفزت إلى ذهنه صورة حيوانات بدائية منقرضة كان قد رأى ظهورها في مناسبة لا يذكرها، ربما في أحد الأفلام أو في كتاب علمي قرأه منذ سنوات.
كان التعب يخدر أعضاءه، واجتمعت حرارة الجو اللافحة مع عرق ممزوج بتراب السفر، راح يتصبب من جبينه وسالفيه ويدخل إلى فمه قطرات مرة مقززة، وكاد يندم على أنه نزل من العربة على الطريق الزراعي ولم يكمل سفره إلى البلدة، فقد كان في استطاعته أن يزور أخته الكبرى وأخاه المقيم في بيت العائلة، ثم يعود إلى زيارة أبويه في الصباح، ولكنه نفى هذه الوساوس عن نفسه بسرعة، قائلا إنها لا تليق بعالم مثله، وماذا ترك إذن للجهلة والفلاحين؟! بل ماذا ترك للعجزة والأطفال؟! ها هي البلد تتراءى له من بعيد، جدارا واهيا أسود من الطين، ينفث الدخان والغبار من فمه كتنين يموت، والبيوت الصغيرة كتل من السحاب الأسود تحتمي ببعضها البعض خائفة من لفح الشمس ومن مصيرها المحتوم، وبعض الكلاب تعوي من بعيد كأنها تحذر من هذا المصير، وتعلن سخطها نيابة عن الفلاحين الصامتين.
أسند رأسه إلى جدار القبر، وتراكم عليه تعب النهار وكآبة الموت وركود الهواء ولفح الحر وطنين الذباب ونعيق الغربان، فاستسلم لذكرياته، وخيل إليه أنه يسمع صوتا يناديه: حسني.
كان صوتا هادئا فيه بحة رنت في أذنيه رنينا مألوفا وغريبا، وبدا له كيد دافئة تمسح على رأسه وجبينه: حسني، حسني.
أجاب في لهفة: أمي؟!
قال الصوت العميق: غبت يا ابني، طالت غيبتك.
قال حسني غير مصدق: أهذا صوتك حقا؟
أجاب الصوت معاتبا: نسيت أمك يا حبيبي؟
Unknown page