Dirasat Can Muqaddimat Ibn Khaldun
دراسات عن مقدمة ابن خلدون
Genres
إن الاعتقاد بتأثير النجوم وسائر الأجرام السماوية في الحوادث الكونية والمقدرات البشرية سيطر على أذهان العوام والمفكرين على حد سواء، منذ القرون الأولى حتى أواخر القرن السابع عشر، وقد ظل مسيطرا على أذهان الناس في كثير من البلاد الأوروبية حتى خلال القرن الثامن عشر نفسه.
إن هذا الاعتقاد القديم ولد نوعا خاصا من الكهانة عرفت باسم «النجامة» أو «التنجيم»، وهي ترمي إلى الكشف «عما سيحدث في المستقبل» بملاحظة حركات النجوم وأوضاعها المختلفة.
فقد زعم المنجمون أن كل واحد من الكواكب الثابتة والسيارة، وكل مجموعة من مجموعات النجوم المسماة باسم «البروج» يمتاز بنوع خاص من التأثير على مقدرات الإنسان، ولذلك صاروا يرصدون حركات النجوم، ويتتبعون حركاتها المختلفة؛ لمعرفة ما سيحدث من الشئون من جهة في حياة الدول والأمم، ومن جهة أخرى في حياة الأشخاص الذين يولدون في كل دقيقة وساعة من كل يوم.
نشأت النجامة وترعرعت في معابد الكلدان، ثم انتقلت بواسطتهم إلى اليونان فالرومان.
وقد وجدت النجامة لنفسها أرضا خصبة جدا في ظل الإمبراطورية الرومانية، والتاريخ يذكر أن معظم الأباطرة - من نرون وأوكتاويوس إلى تيبريوس وماركوس أورليوس - كانوا يهتمون بالنجامة اهتماما كبيرا، فكانوا يكثرون من استشارة المنجمين، ويعملون بما تقتضيه تنبؤاتهم في أغلب الأحيان.
حتى إن بعضا منهم لم يكتفوا باستشارة المنجمين، بل أكبوا على تعلم النجامة ليشتغلوا بها بأنفسهم مباشرة.
فإن الإمبراطور «تيتوس» مثلا كان يكثر من النظر في «طوالع» القواد الذين يخشى منافستهم، كما أن «دوميتيانوس» كان يلجأ إلى النجامة لمعرفة الأشخاص الذين ينوون منافسته، أو يطمعون في أن يكونوا خلفا له.
تذكر التواريخ الرومانية أن «سبتيموس سفريوس»
Septimius Sévérius
قبل أن يصبح إمبراطورا أخذ ينظر في طوالع الفتيات اللاتي يمكن أن يخطبهن ويقترن بهن، وحينما علم من طوالع الفتاة السورية «جوليا» بأنها ستصبح يوما «زوجة لملك»؛ أسرع إلى خطبتها وتزوجها، مؤمنا بأن ذلك سيساعده على تحقيق أطماعه في الاستيلاء على عرش الإمبراطورية الرومانية!
Unknown page