260

Dirāsāt ʿan Muqaddimat Ibn Khaldūn

دراسات عن مقدمة ابن خلدون

Genres

الطور الأول: هو طور الظفر بالبغية؛ في هذا الطور يتم تأسيس الدولة بانتزاع الملك من أيدي الدولة السابقة، وبالتغلب على المدافعين عنها (ص175)، ومن المعلوم أن ذلك لا يتيسر إلا بقوة العصبية، وصاحب الدولة الجديدة «إنما ينال الملك بمعاضدة قومه وعصابته وظهرائه على شأنه»؛ ولذلك يضطر إلى محاسنتهم، ويعتد عليهم، «وبهم يقارع الخوارج على دولته، ومنهم يقلد عمال مملكته ووزراء دولته وجباة أمواله؛ لأنهم أعوانه على الغلب، وشركاؤه في الأمر، ومساهموه في سائر مهماته» (ص183). فيكون الملك في هذا الطور «أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية، لا ينفرد دونهم بشيء؛ لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لم تزل بعد على حالتها الأصلية» (ص175).

وخلاصة القول: يكون الحكم - في هذا الطور - مشتركا نوعا ما بين الملك وبين قومه وعشيرته. (2)

غير أن هذا الطور لا بد أن يتبعه - بعد مدة - طور ثان، هو طور «الانفراد بالمجد».

فإن صاحب الدولة بعد أن ينال الملك بمعاضدة قومه، ينزع إلى الاستبداد عليهم، ويسعى إلى الانفراد بالمجد دونهم: «يأنف صاحب الدولة من المساهمة والمشاركة في استتباع أهل العصبية، وينفرد بالحكم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حتى لا يترك لأحد منهم من الأمر لا ناقة ولا جملا، فينفرد بذلك المجد بكليته، ويدفعهم من مساهمته» (ص167). ويوصل الأمر إلى درجة قتل «وإهلاك من استراب به من قرابته المرشحين لمنصبه» (ص292).

من الطبيعي أن ذلك لا يتم بسهولة، ولا من غير منازعة؛ لأن ظهراء صاحب الدولة الذين ساهموا في تأسيس الملك هم أيضا ينزعون إلى الاحتفاظ بمكانتهم، إنهم يسعون إلى الاستمرار في مشاركته في المجد، ومساهمته في ثمرات الملك، فيحدث بينهم وبينه ما يشبه العداء. إنهم كانوا ظهراءه وكانوا «يستطيبون الموت في بناء مجدهم، ويؤثرون الهلكة على فساده» (ص168)، ولكن «إذا انفرد الواحد منهم بالمجد وقرع عصبتهم وكبح من أعنتهم، واستأثر بالأموال دونهم؛ انقطعوا عن مساعدته»، هذا إذا لم يخرجوا عليه.

وصاحب الدولة لا يستطيع أن يتغلب على هذه المشاكل، ويستظهر على هؤلاء الممانعين إلا بالموالي والمصطنعين، فيحتاج إلى أولياء آخرين «من غير جلدتهم» (ص183). «فيعنى بوجه خاص باصطناع الرجال، واتخاذ الموالي، والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته، وصدهم عن موارده، وردهم على أعقابهم، وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة» (ص175)، ويعاني من مدافعتهم ومغالبتهم «ما عاناه الأولون في طلب الأمر» وتأسيس الملك، بل أشد من ذلك؛ «وذلك لأن الأولين دافعوا الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم»، في حين أن هذا «يدافع الأقارب، ولا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد، فيركب صعبا من الأمور» (ص176).

كان في الطور الأول أهل العصبية بأجمعهم ظهراء لصاحب الدولة، وأما في الطور الجديد فتنقلب الأمور رأسا على عقب؛ فإن أقارب صاحب الدولة ينقبلون عليه، ويعارضون أعماله، ولا يظاهره إلا الأقل من الأباعد. «صار أعوانه السابقون في حقيقة الأمر من بعض أعدائه، واحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم، يستظهر بهم عليهم، ويتولاهم دونهم؛ فيكونون أقرب إليه من سائرهم، وأخص به قربا واصطناعا، وأولى إيثارا وجاها؛ لما أنهم يستميتون دونه في مدافعة قومه عن الأمر الذي كان لهم، والرتبة التي ألفوها في مشاركتهم، فيستخلصهم صاحب الدولة، ويخصهم بمزيد التكرمة والإيثار، ويقسم لهم مثل ما للكثير من قومه، ويقلدهم جليل الأعمال والولايات من الوزارة والقيادة والجباية» (ص183).

إن أهل الدولة يحقدون عليه من جراء كل ذلك؛ «فيضطغنون عليه، ويتربصون به الدوائر» (ص183 ).

إن هذا التنازع الذي يحدث بين صاحب الدولة وبين ظهرائه الأولين يستمر مدة من الزمن، إلى أن ينتصر صاحب الدولة عليهم، وينفرد بالمجد دونهم.

إن ذلك «قد يتم للأول من ملوك الدولة، وقد لا يتم إلا للثاني والثالث»، وذلك «على قدر ممانعة العصبيات وقوتها، إلا أنه أمر لا بد منه في الدول» (ص167). (3)

Unknown page