ʿUyūn al-Athar fī Funūn al-Maghāzī waʾl-Shamāʾil waʾl-Siyar
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير
Publisher
دار القلم
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٤/١٩٩٣.
Publisher Location
بيروت
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
الشُّبْهَةُ بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ ذَيْنَك الْحِصْنَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مَغْنُومِينَ، ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ، وَلَعَمْرِي أَنَّهُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَضَرْبٌ مِنَ الصُّلْحِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضهما كحكم سائر أرض خيبر، كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها، وَرُبَّمَا شُبِّهَ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ نِصْفَ خَيْبَرَ صُلْحٌ وَنِصْفَهَا عَنْوَةٌ، بِحَدِيثِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ بَشِيرِ بْن يَسَارٍ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لَهُ، وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذلك النصف مع، لأَنَّهَا قُسِّمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ سَهْمًا، فَوَقَعَ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَوَقَعَ سَائِرُ النَّاسِ فِي بَاقِيهَا، وَكُلُّهُمْ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ خَيْبَرَ. وَلَيْسَتِ الْحُصُونُ الَّتِي أَسْلَمَهَا أَهْلُهَا بَعْدَ الْحِصَارِ وَالْقِتَالِ صُلْحًا، وَلَوْ كَانَتْ صُلْحًا لَمَلَكَهَا أَهْلُهَا كَمَا يَمْلِكُ أَهْلُ الصُّلْحِ أَرْضَهُمْ وَسَائِرَ أَمْوَالِهِمْ، فَالْحَقُّ فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابن إسحق دُونَ مَا قَالَهُ مُوسَى بْن عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عمر. فَأَمَّا قَوْلُهُ: قَسَّمَ جَمِيعَ أَرْضِهَا، فَإِنَّ الْحِصْنَيْنِ الْمُفْتَتَحَيْنِ أَخِيرًا وَهُمَا:
الوطيحُ وَالسلالمُ، لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي الْقِسْمَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقِسْمَةِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ مُمْكِنًا لَوْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ إِجْمَالٌ يُقْبَلُ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلامِ عَلَى الْقِسْمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: كُلُّهُمْ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ شَهِدَ خَيْبَرَ، فَالْمَعْرُوفُ أَنَّ غَنَائِمَ خَيْبَرَ كَانَتْ لأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِخَيْبَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضَرْهَا، وَهُوَ جَابِرُ بْن عبد الله الأنصاري، ذكره ابن إسحق، وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّه أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ فِي سفرةِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَعَنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي لَيْلَى فِي قوله تعالى: وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [١] قال: خيبر: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها [٢] فَارِسُ وَالرُّومُ، وَإِنَّ أَهْلَ السَّفِينَتَيْنِ لَمْ يَشْهَدُوا الْحُدَيْبِيَةَ وَلا خَيْبَرَ، وَكَانُوا مِمَّنْ قُسِّمَ لَهُ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، وَكَذَلُكَ الدَّوْسِيُّونَ، وَكَذَلِكَ الأَشْعَرِيُّونَ، قدموا رسول اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، فَكَلَّمَ رسول الله ﷺ أصحابه أَنْ يُشْرِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفَعَلُوا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا وَالْبَعْضُ عَنْوَةً، كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَكَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أبي داود قال: قرئ
[(١)] سورة الفتح: الآية ١٨.
[(٢)] سورة الفتح: الآية ٢١.
2 / 180