al-ʿabarāt
العبرات
Publisher
دار الهدى الوطنية للطباعة والنشر والتوزيع
Publisher Location
بيروت - لبنان
Genres
•Subtleties and Anecdotes
Regions
Egypt
يُمَثِّل فِيهِ مَوْقِف اَلْوَدَاع اَلَّذِي جَرَى بَيْنه وَبَيْن امه عَلَى شَاطِئ اَلْبَحْر يَوْم رَحِيله وَكَانَ مَوْقِفًا مُحْزِنًا فَأَحْسَن تَمْثِيله فَأُعْجِبَ اَلْقَوْم بِجَمَالِهِ وَأَثَر فِي نُفُوسهمْ مَنْظَره فَقَضَوْا لَهُ بِالْجَائِزَةِ اَلَّتِي كَانَ يَمَنِيّ نَفْسه بِهَا فَمَا حَصَلَتْ فِي يَده حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَسْعَد أَهْل اَلْأَرْض طرا وَأَنَّ هَذَا اَلْيَوْم هُوَ أَوَّل يَوْم هَبَطَ فِيهِ عَالَم اَلْوُجُود وَأَنَّهُ مَا ذَاقَ قَبْل اَلسَّاعَة مَرَارَة اَلْعَيْش وَلَا رَأَى صُورَة اَلشَّقَاء.
وَكَذَلِكَ يَعْبَث اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ مَا يَعْبَث وَيُذِيقهُ مَا يُذِيقهُ نِمْنَ صُنُوف اَلشَّقَاء وَأَلْوَان اَلْآلَام حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَوْحَشَهُ وَأَرَابَهُ وَمَلَأَ قَلْبه غَيْظًا وَحَنَقًا أَطْلَعَ لَهُ فِي تِلْكَ اَلسَّمَاء اَلْمُظْلِمَة اَلْمُدْلَهِمَّة بَارِقَة وَاحِدَة مِنْ بوارق اَلْأَمَل اَلْكَاذِب فَاسْتَرَدَّهُ بِهَا إِلَى حَظِيرَته رَاضِيًا مُغْتَبِطًا كَمَا تقاد السائمة اَلْبَلْهَاء بِأَعْوَاد اَلْكَلَأ إِلَى مَصْرَعهَا فَمَا اسعد اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ وَمَا أَشْقَى اَلْإِنْسَان بِهِ.
أَرْسَلَ اَلْفَتَى إِلَى أُمّه بَعْض اَلْمَال وَاسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ بَعْضًا وَكَتَبَ إِلَيْهَا أَنَّهُ لَنْ يَبْرَح هَذِهِ اَلْأَرْض حَتَّى يَفِي لَهَا بِمَا عَاهَدَهَا عَلَيْهِ وَمَشَى فِي طَرِيقه يُفَتِّش عَنْ خَاله فِي أَنْحَاء اَلْبِلَاد وَيُسَائِل عَنْهُ كُلّ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ اَلْقَاطِنِينَ وَالطَّارِئَيْنِ وَحَتَّى حَدَّثَهُ بَعْضهمْ أَنَّ آخِر عَهْدهمْ بِهِ رِحْلَة رَحْلهَا عَنْهُمْ مِنْ بِضْع سَنَوَات إِلَى بَعْض اَلْجُزُر اَلْجَنُوبِيَّة فِي اَلتَّفْتِيش عَنْ مَعْدِن نُحَاس هُنَاكَ ثُمَّ لَمْ عَدّ بَعْد ذَلِكَ فَمَشَى فِي اَلطَّرِيق اَلَّتِي عَلِمَ أَنَّهُ سَلَكَهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَزِيرَة مُوحِشَة مُقْفِرَة وَكَانَتْ لَا تَزَال تَغُشِّي سَمَاء تِلْكَ اَلْبِلَاد بَقِيَّة مِنْ ظُلُمَات اَلْعُصُور اَلْأَوْلَى فَمَرَّ بِقَبِيلَة مِنْ قَبَائِل اَلزِّنْج نَازِلَة هُنَاكَ وَرَاء بَعْض اَلْجِبَال اَلْمُنْقَطِعَة فَمَا رَاؤُهُ حَتَّى هَاجَتْ فِي صُدُورهمْ
1 / 24