Cawdat Mawt Aswad
عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور
Genres
إن ظروف الحياة البشرية في القرن الواحد والعشرين - التي تختلف تمام الاختلاف عن ظروف الحياة البشرية في أوروبا العصور الوسطى - سوف تسهل كما أشرنا من قبل تطور مثل هذا الوباء أكثر مما ستعوقه، وسيكون الدمار على نطاق أوسع كثيرا. يسافر السياح بأعداد غفيرة الآن إلى أفريقيا وينقل السفر جوا الفيروس سريعا في أنحاء العالم؛ إذ لم ينطلق وباء الإيدز إلا عندما هرب فيروس نقص المناعة البشرية من أفريقيا إلى هايتي ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
بدأت قصتنا بظهور البشر في الوادي المتصدع الكبير في شرق أفريقيا من حوالي ربع مليون سنة، في زمن كان يعيش فيه نوعنا في ارتباط وثيق بمجموعة كبيرة من الحيوانات البرية. حتى بعد قيام الثورة الزراعية الأولى منذ حوالي 12 ألف عام، عندما حلت الزراعة محل الصيد وجمع الطعام كعماد حياة الإنسان، عاش الناس في مستوطنات صغيرة ولم يعانوا من الأوبئة، ولم تبدأ الأمراض المعدية الفتاكة في الظهور إلا عندما بدأ الناس يتجمعون في المدن. ومع ذلك، فعلى مدار حوالي 3000 سنة لم يكن هناك سوى عدد قليل من مثل موجات التفشي هذه. أغلب الظن أنها خرجت من أفريقيا، وأسفرت عن أعداد وفيات هائلة، لكن الناجين كانوا أقوياء وواسعي الحيلة، وسرعان ما أعادوا بناء مجتمعاتهم. بل حتى بعد الرعب المترتب على الموت الأسود في القرن الرابع عشر، عادت أوروبا إلى وضعها الطبيعي تقريبا في غضون سنوات قليلة.
ثم قامت الثورة الزراعية الثانية في القرن الثامن عشر. لقد أدى إدخال الآلة والإدارة الأكثر تعقيدا للمحاصيل إلى زيادة الإنتاجية، التي كانت ضرورية لإطعام السكان سريعي التزايد. كان الطاعون قد اختفى وقتئذ، إلا أن المدن الكبرى كانت أماكن غير صحية . فقد أودت أمراض الجدري والحصبة والسعال الديكي والدفتيريا وغيرها من الأمراض المعدية بحياة نحو ربع الأطفال في إنجلترا، وتوفي الكثير من الكبار على إثر الإصابة بالسل والإنفلونزا، ومع ذلك تعلم الناس أن يتعايشوا مع هذه الأمراض، وبالرغم منها استمر السكان في النمو.
ثم جاءت الثورة التكنولوجية في القرن العشرين. وبفضل التطورات الرائعة في علوم الطب، واختراع المضادات الحيوية وتصنيع اللقاحات، لم تعد الأمراض المعدية تزعج الدول المتقدمة تقريبا الآن، لكن هذا ليس الحال في البلدان الفقيرة، حيث تواصل الأمراض المعدية التي تسببها الطفيليات الحيوانية (مثل الملاريا) قتل أعداد كبيرة من الناس.
في هذه الأيام، في البلدان المتقدمة، نقلق بشأن السرطان، وأمراض القلب، والشيخوخة أكثر كثيرا من الأمراض المعدية. لعلنا نعيش في وهم؛ فالميكروبات تتكاثر بمعدلات هائلة وتتطور على الدوام وتأتي بأسلحة جديدة في الحرب البيولوجية للبقاء على قيد الحياة؛ فالسرعة التي تطور بها مقاومتها للمضادات الحيوية هي دليل على عبقريتها.
إننا عاجزون تماما أمام أي فيروس جديد إلى أن يمكن التعرف على سماته وتصنيع لقاح له، وإذا حدث وكان فيروسا فتاكا ومعديا للغاية، فإنه يمكن أن يأتي على الأخضر واليابس، بل الأسوأ من ذلك، إذا كانت فترة حضانته طويلة، فإن بإمكانه أن يتسبب في جائحة قبل أن يفطن أي أحد إلى ظهوره.
بمساعدة محرك الاحتراق الداخلي، يستطيع معظمنا الآن السفر إلى مسافات بعيدة كل يوم؛ فقد وسع السفر جوا، بغرض العمل والاستمتاع، آفاق الأفراد أكثر. على النقيض من ذلك، كانت القلة الأوفر حظا هي من تملك جوادا في القرن الرابع عشر، ولم يكن يسمع بالسياحة، وكان السفر بحرا بطيئا وعشوائيا. وليس من المستغرب أن الأمراض الناشئة قلما كانت تهرب من أفريقيا في تلك الأيام.
كان الموت الأسود محصورا في أوروبا، وقد أقام معقله في فرنسا، وكان يبعث الأوبئة إلى بقية القارة بانتظام، بيد أنه، إن كان مقدرا له أن يعود، فإن الموقف اليوم سيكون مختلفا تماما.
فلسوف توفر أجزاء من جنوب الولايات المتحدة، والهند، والصين، وأستراليا، وساحل المتوسط ظروفا مثالية للفيروس كي يقيم معاقل حيثما يمكنه الاستمرار. وفي ظل الاحترار العالمي، يوجد الآن المزيد من مثل هذه المناطق. وسيكفل السفر جوا وصول الفيروس إلى هذه المناطق؛ فمصاب واحد كفيل بأن ينقل المرض، الذي ينتشر بعدها بلا هوادة بمساعدة التدفئة المركزية وتكييف الهواء، ولا يردعه مناخ الشتاء البارد. ستوجد قلة من الأفراد المقاومين الحاملين لطفرة سي سي آر 5-دلتا خارج أوروبا، وحالما تترسخ المعاقل، سرعان ما سيكون المصابون في حالة تنقل منتظمة إلى أجزاء أخرى من العالم سواء برا أو جوا.
إن كوكب الأرض أكثر ازدحاما بكثير مما كانت أوروبا في القرن الرابع عشر. ولسوف يهيئ مليارات الناس الذين يقطنون آسيا بالأخص مرتعا مثاليا للفيروس. لا بد أن نتذكر أن ثلثي الوفيات التي سقطت في وباء إنفلونزا عام 1918 كانت في الهند. أيضا، تتجمع نسبة أكبر كثيرا من الأشخاص اليوم معا في البلدات؛ إذ يتكدسون في الأسواق المركزية، والسينمات، ومباريات كرة القدم، ويتنقلون في المواصلات العامة. ومن شأن أي وباء أن يستفحل سريعا في مثل هذه الظروف.
Unknown page