ʿurifa al-ṭayyib min akhbār makka wa-madīnat al-ḥabīb

عرف الطيب من أخبار مكة ومدينة الحبيب‏

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (1).

الحمد لله الذى جعل البيت الحرام مثابة (2) للناس وأمنا، وكساه الإجلال والإعظام (3) تفضلا منه ومنا، والصلاة على سيدنا محمد الممنون علينا به، حيث ابتعثه الله تعالى منا [وعلى] (4) آله وأصحابه فأعطى، فجمع رسوله ما تمنى.

وبعد: فإن كتابنا هذا: «عرف الطيب من أخبار مكة ومدينة الحبيب» يشتمل على خلاصة كتاب أبى الوليد الأزرقى، وجامع الأصول لمجد الدين المبارك ابن الأثير الجزرى، من أحوال البيت الحرام، والمشاعر (5) العظام، ومدينة محمد عليه أفضل [الصلاة و] (6) السلام.

يحتوى على ثلاثة أبواب، منزه عن الإطناب والإسهاب.

وأما كتاب الأزرقى فإنه روايتنا عن جماعة منهم الشيخ [العلامة] (7) عز الدين محمد (8) بن عبد الله الشافعى، عن مسند الدنيا فخر الدين أبى الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسى، عن أبى الفرج عبد الرحمن بن على الجوزى، عن القاضى أبى بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارى، عن أبى طالب محمد بن على بن أبى الفتح الحربى (9) العشارى، عن أبى بكر أحمد بن أبى

Page 15

موسى (1) بن عبد الصمد الهاشمى، عن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الهاشمى، عن أبى الوليد محمد بن عبد الله بن أحى بن الوليد [بن الأزرق] (2) الأزرقى الغسانى المؤلف.

وأما كتاب «جامع الأصول» (3) فإن روايتنا عن جماعة منهم: الشيخ عز الدين الحسين بن محمد الشافعى، عن شيخه فخر الدين أبى الفضل عبد الله بن أبى الثناء محمود بن داود بن بلدجى، عن مجد الدين المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزرى (4) المؤلف، وبالله تعالى العون والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

Page 16

الباب الأول فى ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض وما جاء فى ذلك

Page 17

عن سعيد بن المسيب قال: قال كعب الأحبار: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السموات والأرض (1).

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بعث الله ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة فى موضع [هذا] البيت كأنها قبة فدحا الله تعالى الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت [مكة] أم القرى (2).

عن ليث بن معاذ قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا [سبعة] منها فى السماء إلى العرش، وسبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى، وأعلاها الذى يلى العرش، البيت المعمور، لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت (3).

عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما أهبط الله عز وجل آدم (عليه السلام) إلى الأرض من الجنة كان رأسه فى السماء ورجلاه فى الأرض وهو مثل الفلك من رعدته، قال فطأطأ الله عز وجل منه إلى ستين ذراعا فقال: يا رب ما لى لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم؟ قال خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لى بيتا فطف به واذكرنى حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع (4) حول عرشى، قال:

فأقبل آدم (عليه السلام) يتخطى فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز فصارت كل مفازة يمر بها خطوة وقبض له ما كان من مخاض ماء أو بحر فجعل له خطوة ولم تقع

Page 19

قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا [وبركة] حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام، وإن جبرئيل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة الصخر ما لا يطيق [حمل] الصخرة منها ثلاثون رجلا، وأنه بناه من خمسة أجبل، من لبنان، وطور زيتا، وطور سينا، والجودى، وحراء حتى استوى على وجه الأرض (1).

عن عبد الله بن أبى زياد [أنه] قال: لما أهبط الله تعالى آدم (عليه السلام) من الجنة قال: يا آدم ابن لى بيتا بحذاء بيتى الذى فى السماء تتعبد فيه أنت وولدك كما تتعبد ملائكتى حول عرشى، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة فقذفت فيها الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم (عليه السلام) بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها الله سبحانه وتعالى (2).

ذكر البيت المعمور

عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) فى حديث به قال: سمى البيت المعمور لأنه (3) يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم ينزلون إذا أمسوا فيطوفون بالكعبة يسلمون على النبى (صلى الله عليه وسلم) ثم ينصرفون فلا تنالهم النوبة حتى تقوم الساعة (4).

ذكر حج آدم (عليه السلام) ودعائه لذريته

عن أبى المليح [أنه] قال: كان أبو هريرة يقول حج آدم (عليه السلام) فقضى المناسك، فلما حج قال (5) أى رب إن لكل عامل جزاء، قال الله تعالى: أما أنت يا آدم فقد

Page 20

غفرت [لك] وأما ذريتك فمن جاء منهم [هذا] البيت فباء بذنبه غفرت له، فحج آدم فاستقبلته الملائكة بالردم، فقالت: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام، قال فماذا كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فكان آدم إذا طاف يقول هؤلاء الكلمات، وكان طواف آدم (عليه السلام) سبعة أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار (1).

قال نافع: كان ابن عمر (عليه السلام) يفعل ذلك (2).

عن عثمان بن ساج قال أخبرنى سعيد أن آدم (عليه السلام) حج على رجليه سبعين حجة ماشيا وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: بر حجك يا آدم، أما إنه حججنا قبلك بألفى عام (3).

ذكر بناء ولد آدم (عليه السلام) البيت بعد آدم (عليه السلام)

عن وهب بن منبه قال: لما رفعت الخيمة التى عزى الله بها آدم (عليه السلام) من حلية الجنة حين وضعت له بمكة فى موضع البيت، ومات آدم (عليه السلام) فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه [هم] ومن بعدهم حتى كان زمن نوح (عليه السلام) فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بوئ لإبراهيم (عليه السلام) (4).

عن عثمان بن ساج قال: بلغنا- والله تعالى أعلم- أن إبراهيم خليل الله تعالى عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله، اخترت حرم الله فى الأرض، قال: فنباه من حجارة سبعة أجبل، قال: ويقولون خمسة، وكانت الملائكة تأتى بالحجارة إلى إبراهيم (عليه السلام) من تلك الجبال (5).

Page 21

عن مجاهد [أنه] قال: كان موضع الكعبة قد خفى ودرس فى زمن الغرق فيما بين نوح وإبراهيم (عليهما السلام)، قال: فكان موضعه أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه، وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض، ويدعو (1) عنده المكروب، فقل من دعا (2) هنالك إلا استجيب له، وكان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ الله مكانه لإبراهيم (عليه السلام)، لما (3) أراد من عمارة بيته وإظهار دينه وشرايعه (4).

عن محمد بن إسحاق قال: لما أمر إبراهيم خليل الله تعالى أن يبنى البيت الحرام أقبل من أرمينية على البراق معه السكينة لها وجه يتكلم وهى بعد ريح هفافة، ومعه ملك يدله على موضع البيت، حتى انتهى إلى مكة وبها إسماعيل، وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وقد توفيت أمه قبل ذلك ودفنت فى موضع الحجر، فقال:

يا إسماعيل، إن الله عز وجل أمرنى أن أبنى له بيتا، فقال له إسماعيل: وأين موضعه؟

قال: فأشار الملك إلى موضع البيت، قال: فقاما يحفران عن القواعد ليس معهما غيرهما فبلغ إبراهيم الأساس- أساس آدم (عليه السلام) الأول- فحفر عن ربض فى البيت فوجد حجارة عظاما ما يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، ثم بنى على أساس آدم الأول وتطوقت السكينة كأنها حية على الأساس الأول، وقالت (5):

يا إبراهيم، ابن على فبنى عليها، فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابى نافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة، فبنى البيت وجعل طوله فى السماء سبعة أذرع وعرضه فى الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامى الذى عند الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامى إلى الركن الغربى الذى فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعا وجعل طول ظهرها من الركن الغربى إلى الركن اليمانى

Page 22

أحد (1) وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرين ذراعا لذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب (2).

قال وكذلك بنيان أساس آدم (عليه السلام)، وجعل بابها بالأرض غير مبوب حتى كان تبع [أسعد] الحميرى هو الذى جعل لها بابا وغلقا فارسيا وكساها كسوة تامة، ونحر عندها (3).

قال: وجعل إبراهيم (عليه السلام) الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز فكان زربا لغنم إسماعيل (عليه السلام) (4).

قال: وحفر إبراهيم (عليه السلام) جبا فى بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى للكعبة وهو الجب الذى نصب عليه عمرو بن لحى، هبل، الصنم الذى كانت قريش تعبده وتستقسم (5) عنده بالأزلام حين جاء به من هيت من أرض الجزيرة (6).

قال: وكان إبراهيم يبنى وينقل له إسماعيل الحجارة على رقبته، فلما ارتفع البنيان قرب له المقام فكان يقوم عليه ويبنى ويحوله إسماعيل فى نواحى البيت حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود (7).

قال إبراهيم لإسماعيل (عليهما السلام) يا إسماعيل أبغنى حجرا أضعه هاهنا يكون للناس علما يبتدئون منه الطواف، فذهب إسماعيل يطلب له حجرا ورجع وقد جاءه جبريل (عليه السلام) بالحجر الأسود، وكان الله تعالى استودع الركن أبا قبيس حين غرق الله تعالى الأرض زمن نوح (عليه السلام)، وقال: إذا رأيت خليلى يبنى بيتى فأخرجه له، قال: فجاءه إسماعيل فقال له: يا أبت من أين لك [هذا]؟ قال: جاءنى

Page 23

به من لم يكلنى (1) إلى حجرك، جاء به جبريل (عليه السلام)، فلما وضع جبريل الحجر فى مكانه وبنى عليه إبراهيم (عليه السلام) وهو حينئذ يتلألأ بالأنوار من شدة بياضه فأضاء نوره شرقا وغربا ويمينا وشاما، قال فكان نوره يضىء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحى الحرم، قال: وإنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة فى الجاهلية والإسلام (2).

فأما حريقه فى الجاهلية فإنه ذهبت امرأة فى زمن قريش تجمر الكعبة فطارت شرارة فى أستار الكعبة فاحترقت الكعبة فاحترق الركن الأسود، واسود، وتوهنت الكعبة وكان الذى هاج قريشا على هدمها وبنائها (3).

وأما حريقه فى الإسلام ففى عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندى، احترقت الكعبة فاحترق الركن فتفلق ثلاث فلق حتى شد شعبه ابن الزبير بالفضة فسواده لذلك (4).

قال: ولولا ما مس الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها ما مسه ذو عاهة إلا شفى (5).

عن على رضى الله عنه، قال: السكينة لها رأس كرأس الإنسان ثم هى بعد ريح هفافة (6).

Page 24

ذكر حج إبراهيم (عليه السلام) وأذانه بالحج وحج الأنبياء (عليهم السلام)

عن محمد بن إسحاق قال: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) من بناء البيت الحرام جاءه جبريل (عليه السلام) فقال له: طف به سبعا فطاف به سبعا هو وإسماعيل، يستلمان الأركان فى كل طواف فلما أكملا سبعا [هو وإسماعيل] صليا خلف المقام ركعتين، قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها: الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة، قال: فلما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل: ارمه فرماه إبراهيم بسبع حصيات مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس (1).

ثم مضى إبراهيم [فى] حجه وجبريل (عليه السلام) يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة، فلما انتهى إليها قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال إبراهيم: نعم [قال]: فسميت عرفات بذلك (2).

قال: ثم أمر إبراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج، قال: فقال له إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتى؟ قال الله سبحانه: «أذن وعلى البلاغ» قال: فعلا على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال وأطولها فجمعت له الأرض يومئذ سهلها وجبلها وبرها وبحرها وإنسها وجنها حتى أسمعهم جميعا [قال] فأدخل أصبعيه فى أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشاما وشرقا وغربا وبدأ بشق اليمن فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابوه من تحت التخوم السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها، لبيك اللهم لبيك قال: وكانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن الله أراد أن يجعل المقام آية فكان أثر قدميه فى المقام إلى اليوم، قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: لبيك

Page 25