ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) إذا وصل العارفون إلى مشاهدة الحق حين فارقوا من الدنيا وغابوا في جماله وجلاله واستغرقوا في بحار أوليته يناديهم الحق يوم العرض الأكبر : «يا أحبائي وعرفائي وأصفيائي وأوليائي احضروا ساعة مواقف رؤية صنائعي وأفعالي في يوم الحشر ، وانظروا آثار ربوبيتي في خلقي» (1)، فيستجيبوا بلسان الثناء والحمد له وعليه بما وجدوا منه من لطائف قربه ولذائذ جماله وجلاله شبه السكارى ، ويقولون : بعزتك وجلال مجدك وكبريائك ما رأيناك لمحة ، اتركنا من مشاهدتك حتى نراك لحظة ، وربما عاشوا في جماله ألف سنة ، واستقلوا ذلك لعظيم حلاوة وصله ، ولذائذ عيشهم في قوله : لم يعرفوا مرور الزمان ، وانقلاب الملوان ، لذلك قال سبحانه : ( وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) الحق ما أطيب ذلك العيش حيث نسوا مرور أعمال الوصال.
ألا ترى إلى قول القائل :
شهور ينقضين وما شعرنا
بأنصاف لهن ولا سرار
وفيه نكتة أخرى : أن العارفين محبوسون في الدنيا ، فإذا دعاهم فيستجيبون داعي الحق بحمده ، ويقولون : الحمد لله الذي خلصنا من حبس الهجران ، ومكان الحرمان ، وجوار الشيطان ، وورطات الطغيان ، وعلة الزمان والمكان ، ومصاحبة الحدثان ، كأنهم يجيبون داعي الحق مكان الجواب بلبيك بقولهم : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) [فاطر : 34].
وفيه إشارة : أن الجمهور في ظنون وحسبان من أمر المشيئة وجريان الأقدار ، ووقوع الرضا والسخط ، فإذا دعاهم الحق إليه ورأوه بوصف الرضا وزوال الخطر هيجتهم رؤيته إلى الحمد والثناء عليه ؛ حيث يقع الأمر بخلاف ظنونهم فيه ؛ لأن أمر العاشق عند المعشوق أسهل مما يظن العاشق ، وسبب جوابهم بالحمد أيضا لا بالتنزيه والتقديس ، أو كل ذكر من وصف صفاته ؛ لأن جميع ذلك يتعلق بالمعرفة ، وهم كانوا في ذلك مقصرين ؛ حيث لم يذكروه بالحقيقة ، ولم يعرفوه بالحقيقة ، ولم يعبدوه بالحقيقة ، فلما رأوا جميع الحقائق فانية عند كشف مجد جلاله يقولون في جواب ماداة الحق : الحمد لله بما حمد نفسه في الأزل ، حيث امتنع بجلاله عن معرفة كل عارف ، وذكر كل ذاكر ، وبأنه ليس للحدثان إلى معرفته طريق ، كان حمدهم ذهابهم عن رؤية أعمالهم وحالاتهم ومعارفهم وعلومهم بالله ، فشكروه به ؛ لأنهم ما نالوا من مواهبه السنية بغير علة الحدثية.
( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) أي : تتعلق إرادته ببعثكم ، فتبعثون في
Page 365