858

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88))

قوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) وصف نفسه سبحانه ها هنا بالعلم الأزلي والقدرة الأزلية ، فما العلم الأزلي علم علم كون الكون ، وما فيه وما يبدو من قدرته وحكمته فيه ، فإقلاعه من أصله غير ثقيل عليه ؛ لأنه قام به قائم بقدرته ، يفعل به ما يشاء إيجادا وإعداما قبل أن يتصل الكاف بالنون ، وإذا كان غيب السموات والأرض له لا لغيره ، لا يكشفه إلا لمن أحبه من أوليائه ، ولا يستره إلا على أعدائه ، فمن أشرفه على غيبه ، فهو أيضا غيب كأنه يرى غيب الغيب ، وأي غيب أشرف من خزانة الله في قلوب أصفيائه من لآلئ حكمه ، وعجائب علومه ، وغرائب عرفانه.

قال النهرجوري : الحق ستر غيبه في خلقه ، وستر أوليائه في عباده ، فلا يشرف على عباده إلا خواص أوليائه ، ولا يشرف على أوليائه إلا الصديقين من عباده ، والإشراف على الغيب عزيز ، والإشراف على الأولياء أعز ، فلما استأثر نفسه بعلم الغيب عزل الجمهور عن رؤيته وعلمه والموقوف به ، فقال : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أخبر تعالى أنه أخرج الكل من بطون الأقدار ، وأرحام العدم ، وأصلاب المشيئة ، على نعت الجهل به والإشراف على ذاته وصفاته بنعت

Page 328