857

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

بحال.

قال الواسطي : الأشياء كلها أقل من الهباء في الهواء ، كيف تظهر في الذات.

قال تعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال ) في ذاته وكيفيته ؛ لأنه ليس كمثله شيء ، وأما صفاته التي أظهرها للخلق كسوة لهم إبقاء وعزا ، وقال : لا تضربوا لله الأمثال في صفاته وذاته ؛ لأن الصمدية ممتنع عن الوقوف على ماهية ذاته وكيفية صفاته.

وقال : إنما ضرب الأمثال وأكثر فيها من المقال جذبا للسرائر ، وأن تفنى عن حضورها فيما أسند إليها ، ثم إن الله سبحانه ضرب مثل عبدين الممسك والمنفق بقوله : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون ) إن العبد المملوك لنفسه أسير في يدها عاجز لا يقدر أن يميتها ويرضى بموتها صانعه ، ولا يقدر على أن يملك قلبه ، ويرى ما فيه من عجائب الذكر ولطائف الفكر ، وكيف ينفق وخزانته قلبه ، وهو لا يقدر على خزانته ؛ لأن قلبه مسلوب النفس ، والشيطان ، والعبد الموفق الذي هو مرزوق رزق معرفة الله وحكمته وإلهامه ورشده وتوفيقه وأرزاقا حسنة من مشاهدته وجماله ، فهو ينفق نفسه ووجوده وماله لله ، ولأوليائه ، وينفق لطائف حكمته على طلاب الله ، كيف هذان العبدان يستويان في العبودية ومعرفة الربوبية ، فعند الجهال يستويان ؛ بل إنهم يقبلون من يليق بمذهبهم من أهل الجهل والبخل والغباوة.

لذلك قال سبحانه : ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) لا يعرفون العارف من الجاهل ، والصادق من المرائي ، حمد نفسه تعالى بأن الجهال لا يعرفون مقادير أهل قربه ، ولو عرفوهم لشغلوهم عنه ، فإذا بقوا أهل الحق مع الحق بلا شغل ولا شاغل.

ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناس زمان يكون المنكر معروفا والمعروف منكرا» (1).

ومن إشارة اعتبار المثلين ينبغي أن العبد يكون مملوك لله طوعا ، ولا ينظر إلى شيء من وجوده وأعماله ، فإنه مفلس عاجز عن القدرة بين يدي الله ، وهذا صفة أهل المعرفة.

قال بعضهم : أخبر الله عن العبد وصفته فقال : ( لا يقدر على شيء ) فمن رجع إلى شيء من علمه وحاله وعمله ؛ فإنه المتبرئ من العبودية ، وهو في منازعة الربوبية ، والعبودية هي التجلي مما سوى معبوده ، يرى الأشياء به ويرى نفسه له.

( ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون

Page 327