ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب ) أشار سبحانه إلى قلوب أوليائه الذين يسمعون بأسماع أرواحهم وقلوبهم وعقولهم وأسرارهم كلام الحق سبحانه من الحق بلا واسطة ؛ فيعرفون مكان نزول القرآن على سيد المرسلين ، وإمام المتقين صلوات الله عليه من الله سبحانه بمكان سماعهم كلام الحق من الحق ، ويعلمون صدقه في رسالته بما شاهدوه من براهين صفات القدم ، ليسوا بمقلدين من حيث طباعهم وإيمانهم الفطري ، إنما هو صفة أهل الظاهر من أهل التقليد الذين سماهم العوام بانتسابهم إلى العمى ، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا أهل النهى من العارفين بقوله : ( إنما يتذكر أولوا الألباب ).
قال الشبلي : من استدل عليك بربه ليس كمن يستدل بك على ربه ، وليس من تحقق بما أنزل إليك من جهة الحق كمن يحققه من جهتك وليس من شاهد جيء أن الأشياء في الأزل كمن شاهده في وقت ظهوره.
وقال الأستاذ : أي : لا يستوي البصير والضرير ، والقبول بالوصلة ، والمودة بالحجة ، والمؤهل للتقريب والمعرف للتعذيب.
ثم وصف العلماء بالله القائمون بشرط الوفاء مع عهد الأزل بقوله : ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) عهد الله مع الصديقين ما عاهد أرواحهم في مشاهدة الأزلية ، حيث عشقها بجمال وجهه فوفوا ميثاق العشق بالعشق ، والعجب كيف يطيق العاشق أن ينقض عهد معشوقه ، وعشقه صار روحه ، ومن يطيق أن يفارق روحه ، فوفاؤهم معه لزومهم على جناب عزته بنعت الفناء في عبوديته.
قال بعضهم : الموفون بعهدهم القائمون له على شروط العبودية من اتباع الأمر والنهي.
قال ابن عطاء : لا ينقضون الميثاق الأول في وقت يلي أنه لا رب لهم غيره فلا يخافون غيره ولا يرجون سواه ولا يسكنون إلا إليه ، ثم ناد سبحانه في وصفهم بوصولهم مراده منهم في طاعته بقوله : ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) أي : الذين يصلون بأسرارهم مشاهدته وقربته ، ويخشونه به حيث وقعوا بقلوبهم في بحر إجلاله ، ويخافون من عتابه ودقائقه معهم في تغيير إياهم في حركات ضمائرهم ، بأن يميل إلى غيره.
وقال ابن عطاء : الذين يديمون على شكر النعمة ومعرفته منه المنعم لدوام النعمة إليهم
Page 236