765

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) شبه أعمال الظاهر والباطن وما ينفتح بمفاتيحها من الغيب بجواهر الأرض من الذهب والفضة وغيرها إذا أذيبا لاتخاذها الحلي ، وبين أن لها زبد مثل أن لهما زبد ، ومثل زبد السيل في ذوبانهما ؛ فيذهب زبدها بعد إذابتهما سريعا من غلبة النيران ، ويمكث في البوتقة أصلها الصافي ؛ فكذلك أعمال الظاهر والباطن فيدخل في بوتقة الإخلاص التي تحتها نيران المحبة ؛ فيذهب ماء الحظوظ ونظر الأغيار ، وبقى ما هو خالص لله ، وكذلك الخواطر فخاطر الحق يبقى في القلب وخاطر الباطن يطير ولا يبقى ؛ لأن خاطر الحق من أثقال إلهام الحق ؛ فيمكث في القلب خاطر الوسواس هذيان لا أصل له ؛ فيفنى سريعا من غلبة أنوار المعرفة والمحبة.

قال ابن عطاء : ما كان من الأحوال صدقا ثبت في القلوب بركتها ، وما كان غير ذلك فإنها لا تبق فيه خيرا.

قال الشبلي : احتملت القلوب من الزوائد على مقدار ما فتح الله عليها من أنواع بره.

وقال بعضهم : القلوب أوعية وفيها أودية ؛ فقلب يسيل فيه ماء التوبة ، وقلب يسيل فيه ماء الرحمة ، وقلب يسيل فيه ماء الخوف ، وقلب يسيل فيه ماء الرجاء ، وقلب يسيل فيه ماء المعرفة ، وقلب يسيل فيه ماء الأنس ، وكل ماء من هذه المياه ينبت في القلب نوعا القربة والقرب من الله عز وجل ، وبعد هذه القلوب قلوب قاسية حرمة التوفيق ؛ فهي في ميادين الشقاق يخبطه إلى أن يبلغها الله مقام الأشقياء.

ولي إشارة أخرى : أن الله سبحانه أوقد نيران المحبة في صميم الأرواح من تأثير تجلي جماله ؛ فلما حميت الأرواح من حرق المواجيد تؤثر حرارتها في القلوب ، فتلقي القلوب ما فيها من أنواع الشهوات ، ثم هاج فطرتها السليمة إلى طلب الحق ومشاهدة ؛ فيتعرف من شدة التهاب نيران المحبة والشوق ، ويصعد عرفها من قارورة عرق الكواشف والمعارف إلى الأدمغة ؛ فيسيل ذلك العرق على أودية العيون وصحاري الوجوه ؛ فما أطيب ذلك العرق ويا لها من طيبه ولذته.

كما قيل : كل جمرة فمن أنفاسهم قدحت ، وكل داء فمن عين لهم جاري.

ويقال : إن الأنوار إذ تلألأت في القلوب نفت الاثار الظلمة ؛ فنور اليقين يفني ظلمة الشك ، ونور العلم يفني قمة الجهل ، ونور المعرفة يمحو أثر النكرة ، ونور المشاهد يفني آثار البشرية ، وأنوار الجمع يفني آثار التفرقة ، وعند أنوار الحقائق يتلاشى آثار الحظوظ ، وأنوار طلوع الشمس من حيث العرفان تفني صدفة الليل من حيث حسبان تأثير الأغيار.

Page 235