693

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

يوسف عليه السلام لم يبق في نفسه من شهوة الإنساني أثر من استيلاء أنوار التوحيد ، وفر من موضع الخطر.

قال الله تعالى : ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ): لما بدأ ليوسف أوائل سطوات الأزل وأنوار كشف تجلي الأبد لم يحتمل أوائلها ، وعجل سره في أول بديهة التوحيد ، فر من أماكن الخطر ، ولو صبر حتى غاص في بحر الوحدانية لم يحتج إلى الفرار إلى الباب ، وإن تمكن في رؤية الحق وبرهانه وسكن ونظر إلى زليخا بنظر التوحيد لتذوب زليخا بنظره إليها ، والتقديس من شهواتها ؛ لأن حقيقة التوحيد إذا غلبت نادت إلى فناء ما دون الله ، وتأثر في كل ناظر إلى صاحبها بألا يبقى فيه أثر للشهوة الإنسانية ، ولما لم يكن كذلك ما أثر في زليخا حتى عدت خلفه إلى الباب وقدت قميصه ، ولو كان يوسف مستغرقا في أواخر التوحيد لاحترقت زليخا ، وما قدرت أن تعدو خلفه ، وتمزق قميصه ، كان يوسف في أوائل التوحيد ، وزليخا في أواخر العشق ، فلم يؤثر التوحيد في العشق ، وتخريقها ثوب يوسف من غلبة عشق الإنساني على عشق الروحاني ، ولما خرقت قميصه من عشق الإنساني ، صار تخريق القميص برهانا ليوسف عليه السلام شاهدا على صدقه.

قال بعضهم : لو فر إلى الله والتجأ إليه لكفى ، لكنه لما هرب منهما وفر بنفسه أكمل نفسه محل التهمة حتى قالت : ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا )، فلما نصب الله البرهان وطرد الشيطان فدخل عليها زوج زليخا ورأى حالهما العيان.

قال تعالى : ( وألفيا سيدها لدى الباب ): أضاف اسم السيد إلى زليخا ؛ لأن الله سيد يوسف عليه السلام حقيقة ؛ لأنه كان حرا بالتوحيد وحرا بالتفريد ، وكذا على ظاهر الشريعة ، وما أطيب العشق إلى أن يؤول إلى الشفاعة! فإن عيش العاشق في الملامة أطيب.

قيل في قوله : ( وألفيا سيدها لدى الباب ): لم تقل : سيدهما ؛ لأن يوسف عليه السلام كان في الحقيقة حرا ، ولم يكن العزيز له سيدا ، فلما أفشى سر العشق بينهما وأطلع زوجها على سرها نفت عن نفسها الحرام ؛ لأنها علمت أن لو بين جرمها عند زوجها لقتلها وأوقعت من حلاوة ومحبة يوسف والنظر إلى وجهه ، كذلك أوقعت الحرام على يوسف عليه السلام :

لحبك أحببت البقاء لمهجتي

فإن طال أن أعرضت عني بقاؤها

ولعلمها بأن يوسف عليه السلام لم يبق في الضر والبؤس والمؤاخذة ، ولا يقدر أحد أن يؤذيه ، ومن يقدر أن يضره ووجهه سالب القلوب وجالب الأرواح ، أغاب العالم بعينيه ، سبى الأرواح والأشباح بحسنه وجماله. وتسبي العالمين بمقلتيها.

لها في طرفها لحظات سحر

تميت بها وتحيى من تريد

Page 163