560

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

[آل عمران : 119] ثم بين أن هذا الغيظ من تولد نسيانهم قهر الله في بطش جبروته ، وبروز عظائم أنوار ملكوته ، لم يكونوا من أهل الذكر ، فطرأ عليهم طرآن النسيان ، لم يذوقوا حقائق الذكر ، تركوا أمر الله لجهلهم بجلال الله ، فتركهم الله في ظلمات قهره يعمهون ، لا يرون سبيل الرشد أبدا ، وهكذا وصف من ادعى معرفة الله ، ولم يذق طعم محبة الله ، ولا يستقيم في دعواه ، ونفر من الطريق إلى جمع الدنيا من قلة صبرهم مع أولياء الله ، فيجمعون الدنيا ، ويحتجبون بها عن ذكر الله ، فتركهم الله في حبها وحب جاهها ، ولا ينفقون منها في طريق الله.

قال الله : ( ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم ).

قال بعضهم : يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها في الدعوة والحوائج ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى كأنه في الموقف ، ويده على صدره كاستطعام المسكين.

ها أنا مددت يدي إليك

فردها بالوصل لاستماتة الحساد

وقيل : يقبضون أيديهم عن الصدقة.

وقيل : يقبضون أيديهم عن معونة المسكين.

وقال سهل : في قوله : ( نسوا الله فنسيهم ): نسوا أنعم الله عندهم ، فأنساهم الله شكر النعم.

وصف المؤمنين والمؤمنات بالموافقات في جميع الخيرات بقوله :

( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )؛ لأن أرواحهم كانت مستغرقة في أنوار القدم ، وهو تعالى ألف هناك بين الأرواح ، بأنها من جواهر أنوار الملكوت ألفت بعضها بعضا بألف الله سبحانه في مشاهدة جماله ، حين إذا قربا طعم وصال ، فأحب المؤمنون بعضهم بعضا بمحبة الله في قلوبهم ، ويتعاونون بعضهم بعضا في عبادة الله ، ونصرة أنبياء الله وأوليائه.

وقال أبو عثمان : المؤمنون أنصار يتعاونون على العبادة ، ويتبادرون إليها ، وكل واحد منهم يشد ظهر صاحب ، ويعينه على سبيل نجاته ، ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (1). وقال صلى الله عليه وسلم : «المؤمنون كالجسد الواحد» (2).

قال الله : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ).

وقال أبو بكر الوراق : المؤمن تولى المؤمن طبعا وسجية.

( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها

Page 30