456

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

الضعيف موسى عليه السلام صعقا على وجهه ، ليس معه روحه ، فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى عليه السلام وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى عليه السلام ؛ ولذلك قال له سبحانه في تعريفه عظمته وجلاله وغلبته قهر سلطان كبريائه على كل شيء ، قال : ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) أي : أنا أتجلى من نور عظمتي للجبل لك ، ولاستقر الجبل لتجلائي مع عظيم أجزائه وصلابة وجوده ، فكيف تحمل صورتك الضعيفة أثقال عزتي؟! لو تريد أن تراني انظر إلي بعين روحك وقلبك ، فإني أتجلى لهما بحسن جمالي ولطف جلالي ، وقلبك يسع ذلك التجلي ، لأنه خلق من نور ملكوتي ، ورقمته بنور جبروتي ، وفي ذلك نطق على لسان نبيه عليه السلام حيث حكى عنه تعالى بقوله : «لم يسعني السماوات والأرض ويسعني قلب عبدي المؤمن» (1).

وأيضا : طلب موسى عليه السلام رؤية الحق بعين الظاهر ، وهناك عينه محجوبة عن فؤاده ، فاحتجب عن رؤيته ، وكان فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم في عينه حين شاهد جمال الحق سبحانه ، فرآه بالفؤاد وبالعين.

قال تعالى في وصفه : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) [النجم : 11] ، قيل : ما كذب فؤاده ما رأت عينه ، تصديق ذلك قوله عليه السلام في مراتب معراجه : «رأيت ربي بعيني وبقلبي» (2).

ومن دخل فؤاده الملكوتي في عينه وقت تجلى الجلال وكشف الجمال يراه كفاحا بلا حجاب ، فإن لله عبادا كسا نور جماله أفئدتهم ، وكمل أبصار أسرارهم بكمل الملكوت والجبروت ، فتدخل القلوب بنور الغيوب في عيونهم فلا يرون شيئا من العرش إلى الثرى إلا ويرون جلال الله تعالى فيها.

كما قال بعض العاشقين : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه ، كان موسى عليه السلام غائبا في بحر صفات الحق ومستغرقا فيها ولم يعلم أين هو ، ظن أنه غائب من دوام شهوده مشاهدته عنه ، فسأل الرؤية فقيل له : ( لن تراني ) كأنه استفهم ، أين أنت حيث أنا أنت وأنت أنا ، وأنشد في معناه بعض الشعراء :

كبر العيان علي حتى أنه

صار اليقين من العيان توهما

فلما رآه غائبا أراد أن يعرف مكانه فأحاله إلى الواسطة ؛ ليعرف قدر الوصل في البين ، وتعرف مكانه من المشاهدة.

( فلما تجلى ربه ) عرف الجبل أن التجلي له عارية ، وبينه وبين التجلي حجاب امتناع

Page 466