441

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

يعرفهم مكان المكر هناك بأن يعملوا أن ما وجدوا منه عندما لم يجدوا منه كقطرة في بحار ، وذلك من حلاوة مباشرة أنوار القدم والبقاء في أسرار أرواحهم وقلوبهم وعقولهم ، ولو أطلعوا على حقائق مكره ، حيث حجبهم به عنه لذابوا من الحياء تحت أنوار سلطان كبريائه وعظمته ، ومكره بأهل الاتحاد أن يريهم جلاله وجماله في مرآة قلوبهم ، فيرونه بحسن الأزل وجمال الأبد بنعت فنائهم فيه ، فيبقيهم به من حد الفناء ، فيرون أنفسهم كأنهم هو من حدة مباشرة الصفة بالفعل ، فيتحجب عليهم ويبقيهم في حلاوة تأثير أنوار الصفات فيرون أنفسهم في محل الربوبية فيدعون هناك بالأنائية (كالحسين بن منصور) و (أبي يزيد) قدس الله روحهما فهناك أخفى المكر وألطف الاستدراج ، ولولا فضله وكرامته عليهم لأبقاهم فيما هم فيه ولكن بلطفه الخفي وإنعامه الجلي أخرجهم من ذلك ، وأغرقهم في بحار عظمته حتى أقروا بأنهم ليسوا على شيء منه ، وأنهم في أول درجة من عبوديته.

ألا ترى إلى قول أبي يزيد في آخر عمره حيث قال : ما ذكرتك إلا عن غفلة ، ولا عبدتك إلا عن فترة.

وإلى قول حسين بن منصور في وقت قتله قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وهذا لطف الله نبينا صلى الله عليه وسلم حيث حرسه من هذا المكر الخفي في مقام رؤية الأعلى وشهود قاب قوسين وأدنى بقوله : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)، ذوقه طعم الربوبية وأوقفه في مقام العبودية ، حتى افتخر بعبوديته بعد وجدان ربوبيته بقوله : «أنا العبد لا إله إلا الله» (2)، وكل صنيع منه لطيف بأوليائه أن مكر بهم وأن لم يمكر بهم ، ومن نجا من مكره والكل في قبضة العزة متحيرون ، وكيف يأمن به منه من يعرفه بالربوبية ويعرف نفسه بالعبودية.

حكي أن رجلا سأل الشبلي عن معنى مكر الله ، فأنشد الشبلي بقوله :

أحبك لا ببعضي بل بكلي

وإن لم يبق حبك بي حراكا

فقال سائل : أسأل عن آيات من كتاب الله ، وتجيبني ببيت شعر فعلم الشبلي إنه لم يفطن ما قال.

فقال : يا هذا مكره بهم تركه إياهم على ما هم فيه.

قال الحسين : لا يأمن من المكر إلا من هو غريق في المكر ، فلا يرى المكر به مكرا ، وأما

Page 451