356

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56))

قوله تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) : تطييب لقلوب المريدين ، الذين يطلبون الله بوسائط الآيات ، وتسلية لقلوب النادمين على ما فات عنهم من أوقات المراقبات بمباشرة الجنايات ، فأحالهم الحق إلى سلام نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم في مقام الوسيلة ، ولو بلغوا إلى درجة أهل المشاهدة لأحالهم إلى سلامه بقوله : ( سلام قولا من رب رحيم ) [يس : 58].

انظر كيف أحب الرجوع للمذنبين ؛ حيث أمره عليه السلام بالسلام عليه بقوله : ( فقل سلام عليكم ) [الأنعام : 54] ؛ لأنهم قاسوا مقاساة امتحانه في بيداء قهره ، لما رآهم مقبلين إليه بعد تحملهم بلاياه ، سلم عليهم بلسان نبيه ، ثم رفع درجتهم من ذلك ، وواساهم بنفسه ، وروح فؤادهم بمروحة رحمته السابقة عليهم في الأزل بقوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : كان في الأزل اصطفاهم برحمته ، وإن علم منهم العصيان ، رحمته الأزلية أصل ثابت ، والمعصية عارضة من طوفان قهره في طريق الإقبال إليه والمسارعة في السير إلى وصاله ، فإذا وصلوا إلى معادهم بقيت الأصول ، وفنيت العوارض ، إذا أحبهم بمحبته الأزلية توجب محبته أن يوصلهم إلى مشاهدته التي هي رحمته الكبرى ، وأن يخلصهم من غبار الطبيعة ، ويطهرهم من أدناس النفسانية بمياه رحمته الكافية بقوله تعالى : ( أنه من عمل منكم سوءا ) نظر إلى غيره ( بجهالة ) بقلة علم على ذوق وصالي ولطف جمالي ، ( ثم تاب من بعده ) رجع من نفسه إلي ، ( وأصلح ) مزار تجلياتي من قلبه ، بأن قدسه من شوائب شهواته.

( فأنه غفور ) لما سلف من تقصير في أداء حقوقي ؛ بحيث لا أعيرهم بذلك أجرا.

( رحيم ) بأن قواهم بقوة أزلية ؛ ليحملوا أثقال مشاهداتي بها ، ولولا ذلك لفني وجودهم في أول رؤية سطوات عظمتي وجلال كبريائي.

قيل في قوله : ( فقل سلام عليكم ): سلم أنت على الذين يؤمنون بآياتنا ، فإنا نسلم على الذين آمنوا بنا بلا واسطة ، وذلك قوله : ( سلام قولا من رب رحيم ) [يس : 58].

قال إبراهيم بن المولد : والله إن الحق هو الذي يسلم على الفقراء ، والنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك واسطة.

وقال الواسطي في قوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ): برحمته وصلوا إلى

Page 366