ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال النوري في هذه الآية : هم الذين ادعوا محبة الله ، ولم يكونوا فيها صادقين.
( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63))
قوله تعالى : ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ): افهم يا مبارك سر هذه الآية ؛ فإن الله سبحانه أخبر فيها من سر نفسه كان في أزل الأزل بحار الألوهية متلاطمة قهارة زاخرة ، ولم يكن لمكان قهره مقهور ولعزته ذليل ، فغلب عزه قهره وجلال سلطانه ونور مشيئته وإرادته ، فأوجد الكون ، فجاء الكون من العدم مقهورا ذليلا لقهره وعزته قهر المخلوقات ؛ إذ لم يكن في القدم مكان القهر والمقهورية ، فإذا تصاغر الأكوان في قدم الرحمن وسطوات كبريائه ، وكادت تضمحل أمسكها بلطفه من قهره ، وهذا معنى قوله : ( وهو على كل شيء وكيل. )
وقال الحسين : كل شيء أراد الله به الإهانة والتذليل ألبسه لباس المخلوقية ؛ ألا ترى كيف نزه عن ذلك صفاته وكلامه؟! قال : ( الله خالق كل شيء )، المخلوقات ليس لها عز إلا بالنسبة إلى خالقها ، وأنها مخلوقة ، فبنسبته إليها أعزها .
قوله تعالى : ( له مقاليد السماوات والأرض ): مقاليده قدرته القديمة ، وإرادته الأزلية ، أبواب الأكوان متعلقة بأفعال المشيئة ، في خزائنها أنوار القدوسية ، وعرائس المشاهدة في حجال الأفعالية ، فإذا أراد للعبد العارف السعادة الكبرى يفتح أبوابها بمقاليده حتى يبرز منه لأبصار عشاقه أنوار جماله ، فيعيشون بلذة مشاهدته ، ويطيبون في لذة المواجيد ، ويفرحون بما يجدون من نضارة وجهه الكريم ، ويطيرون في سنا قربه وهواء هويته بأجنحة المحبة والمعرفة والمودة.
قال سهل : بيده مفاتيح القلوب ، يوفق من يشاء لطاعته وخدمته بالإخلاص ، ويصرف من يشاء عن بابه.
( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64))
قوله تعالى : ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ): إن الله سبحانه حث حبيبه عليه الصلاة والسلام على تعبير الغالطين والمقبلين إلى الدنيا بأنهم جاهلون حق الله وحق عبوديته ؛ إذ لا يقع للحدثان عبودية ، بل لا يستحق للعبودية إلا الرحمن القديم أي : كيف أعبد غير الحق ، وأنا أعرف عجز الحدثان ، وكيف أنصرف من الخالق إلى المخلوق ، وأنوار سلطان قهره محيطة بكل ذرة من العرش إلى الثرى أي : أنا محفوظ مصون بصون الأزلية
Page 221