1139

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

العدد وصلاح الدار الفانية وأهلها.

وقال في قوله : ( وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) في السماء سراج الشمس ونور القمر وفي القلب سراج الإيمان والإقرار بالوحدانية والفردانية والصمدية ، وقمر المعرفة يشرق بأنوار الأزلية والأبدية فيتلألأ نور معرفته وإيمانه على لسانه بالذكر ، وعلى عينيه بالعبر ، وعلى جوارحه بالطاعة والخدمة ، وتلك الأنوار من تمام أولية الله للعبد في الأحوال كلها.

ثم بين سبحانه تخالف الليل والنهار لاعتبار العارفين وموعظة المريدين بقوله تعالى : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) جعل تعاقب ليالي الفترة ، وكشوف نهار المشاهدة لزوائد ذكر العارفين وشكر المستأنسين.

قال بعضهم : خليفة يخلف أحدهما صاحبه لمن أراد خدمة ربه أو عبادته.

ثم وصف سبحانه على الوقار من العارفين والمطمئنين من المتمكنين بقوله سبحانه : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) وصفهم بالعبودية خاصة ، ومن العرش إلى الثري ملكه وعبيده أراد بأنهم بلغوا ميادين العبودية بأنوار الربوبية فانسلخوا من كل مراد دون وجه حبيبهم فتصح عبوديتهم ؛ لانقطاعهم عن غيره ، يمشون على الأرض على حد الوقار والهدوء والسكينة إذ على مطايا قلوبهم أثقال أوقار أنوار عظمة الذات وسطوات الصفات.

ثم زاد في وصفهم بقوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) (63) إذا سمعوا غير ذكر الله الصافي بنعت الإخلاص والمحبة والشوق ، يقولون للمتكلفين : ( سلاما ) أي : سلامة من الله علينا من مصاحبتكم ومباشرة تكلفكم.

قال الجنيد : عباد صفة مهملة ، وعبادي صفة بالحقيقة ، وعباد الرحمن صفة حقيقية بالحقيقة.

قال جعفر : ( يمشون على الأرض هونا ) بغير فخر ولا رياء ولا خيلاء ولا تبختر بل بتواضع وسكينة ووقار وطمأنينة وحسن خلق وبشر وجه.

كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين ؛ فقال : «هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد ، وإن أنخته على صخرة استناخ» (1).

وذلك لما طالعوا من تعظيم الحق وهيبته ، وشاهدوا من كبريائه وجلاله خشعت لذلك أرواحهم وخضعت نفوسهم وألزمهم ذلك التواضع والتخشع.

Page 38