ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقيل في قوله : ( نور على نور ): نور المشاهدة يغلب نور المتابعة ، وقيل : نور الجمع يعلو أنوار التفرقة ، وقيل : نور الروح يهدي إلى السر شعاع الفردانية ، ونور السر يهدي إلى القلب ضياء الوحدانية ، ونور القلب يهدي إلى الصدر حقيقة الإيمان ، ونور السر يهدي إلى الصدر آداب الإسلام ؛ فإذا جاء نور الحقيقة غلب هذه الأنوار ، وأفرد العارف عنها وأفناه فيها ، وحصله في محل البقاء مع الحق متسما بسمته مترسما برسمه لا يكون للحدث عليها أثر بحال ؛ لأن محل أنوار الأحوال هو القيام معها ورؤيتها ، والسكون إليها ، فإذا جاء نور الحقيقة أفناه عن الحظوظ والمشاهدات ، وإذا غلب نور الحق خمدت الأنوار لها ، وصارت الأحوال دهشا في فناء ، وفناء في دهش ؛ فهو بحصول اسم ورسم ، وذهاب الحقيقة في عين الحق ( يهدي الله لنوره من يشاء ) يخص الله بهذه الأنوار من سبقت له المشيئة فيه بالخصوصية ، ( ويضرب الله الأمثال للناس ).
قال : العقلاء الألباء الذين خصوا بالفهم عنه ، والرجوع إليه ، ( لعلكم تتفكرون ) في أن الذي خصهم بهذه الأنوار والمراتب من غير سابقة لا يتقرب إليه إلا بفضله وكرمه دون عد التسبيح والصلاة عليه (1).
وقال الحسين في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ): منور قلوبكم حتى عرفتم ووجدتم ، وختم بقوله : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) فكان أول ابتدائه ( الله نور السماوات والأرض ) أي : مبتدأ النعم ومنبعها والآخر خاتمته ، فالأول فضل ، والآخر مشيئة ؛ فهو المجتبي لأوليائه الهادي لأصفيائه.
Page 15