فالمرارة هنا تعود إلى الحال الانفعالية في شارب الماء؛ فإذا كان أحدنا سليما وجد الماء الزلال زلالا، ولكنه إذا كان مريضا صار هذا الماء مرا مع أنه ليست به مرارة، وإنما علة المرارة هنا صحته السيئة.
فالكلمات إما موضوعية تعين لنا شيئا ليست له بعواطفنا علاقة، مثل: كرسي وسحاب وخمسة وشارع وحمار، وإما ذاتية نحكم عليها بعواطفنا، مثل: جميل وقبيح وشريف وشجاع ومتهور وعاقل؛ فإن كلا منا يختلف مع الآخر في معاني هذه الكلمات.
والكلمات هي - بعد كل هذا - رموز، كما أن النقود رموز للقوة الشرائية، وكما تكون النقود سوية أو ممسوحة أو زائفة كذلك تكون الكلمات، وكثير من الالتباس يعود إلى بعض الكلمات قد انمحت معانيها بالتقادم؛ لأنها نشأت في مناخ ثقافي قد باد، ونحن نحس هذا عندما نقرأ كتابا قديما مضى عليه ألف سنة مثلا، وكثير من الكلمات زائف كما نرى في عصابة اللصوص حين تصف أحد أفرادها بأنه «شهم»، والشهامة هنا معناها أنه فاتك، وعندما تجد اثنين يختلفان في جدال عن الخلق والتطور، أو عن الاشتراكية والمباراة، أو عن العلم والدين، فإنك موقن بعد التأمل أن كثيرا من الخلاف يرجع إلى كلمات ذاتية لا يتفقون على معانيها؛ حتى إنك لتجد أحدهم يسأل: ماذا تقصد بالمساواة؟ أو ماذا تعني بالقوة؟ وغير ذلك.
ومهمة العلوم أن تنقل المعاني من الذاتية إلى الموضوعية؛ فإن السيكلوجية علمتنا مثلا أن نقول: إن درجة الذكاء في هذا الصبي 118؛ أي: عدد معين نتفق عليه كلنا بعد امتحان، بدلا من أن يقول أحدنا: إنه ذكي أو متوسط الذكاء أو ناقص، وهو يعتمد في ذلك على عاطفته نحوه، وكذلك المعاني : حر وبرد، وثقيل وخفيف، وسريع وبطيء، وسمين ونحيف؛ فإنها جميعها مما نختلف بشأنها باختلاف نظرتنا الذاتية، ولكن العلم ينقلها من الذاتية إلى الموضوعية بالأرقام.
وكثير من الكلمات يحرك انفعالاتنا كما لو كنا نهتز بمسة كهربائية؛ فإن كلمة «مروءة» تحرك وجداننا إلى الخير، وكلمة «عرض» أو «دم» عند الصعايدة في قنا وجرجا تحرك العواطف إلى القتل.
وإذا شئنا أن نفاضل بين لغة وأخرى، فإن قياس المفاضلة يتخذ أساليب مختلفة، فنستطيع أن نقول مثلا: هل هذه اللغة علمية موضوعية أم أدبية ذاتية، أو هل الكلمات الذاتية كثيرة والكلمات الموضوعية قليلة بحيث يصير تفكير المتكلم عاطفيا بدلا من أن يكون وجدانيا؟ وبكلمة أخرى:
هل اللغة في أكثرها وجدانية أم عاطفية، وهل البلاغة التي يتبع أساليبها الكتاب بلاغة العاطفة أم بلاغة الوجدان؟
وكثير من الضرر ينشأ من التعبير العاطفي في مناقشات السياسة والاجتماع والدين، والمفكر الحسن يحاول أن يتجنب الكلمات العاطفية الذاتية، ويستعمل بدلا منها الكلمات الوجدانية الموضوعية، ولكن ليس هذا مستطاعا على الدوام؛ لأن الكاتب مقيد بالكلمات.
وكي يدرك القارئ، تأثير اللغة في السلوك الشخصي والتفكير النفسي والذهني، يجب أن يذكر كلمات: عفريت وبعبع وأبو رجل مسلوخة والقطة السوداء، في سلوك الطفل الذي يخاف الظلام لأثر هذه الكلمات، وهو حتى عندما يبلغ الخمسين والستين من العمر سيخشى الظلام أيضا، ولو أنه لا يؤمن بالعفاريت وغيرها، لا، بل أكثر من ذلك؛ فإن كثيرا من البحث عن الأرواح يعود إلى هذه الكلمات التي تعلمناها في الطفولة، بل إني أعتقد أن الإيمان بالأرواح عند الكبار هو استمرار للإيمان بالعفاريت عند الأطفال.
وللكلمات: مروءة ووطنية وعرض وبر وشرف وشهامة وثأر ورشاقة وغيرها أثر في نفوسنا يعين سلوكنا الاجتماعي للخير أو للشر، كما يتعين سلوك الطفل في الظلام بكلمة عفريت وغيرها.
Unknown page