فرغ الثلاثة من تناول الطعام وجلسوا يتحدثون عن واقعة الأمس. جاهد حمد كي لا يغلبه النعاس ونهض ففتح «الزمزمية» ورش وجهه ببعض الماء، ثم مد يده إلى العلم الذي يحتفظ به الضابط وجفف وجهه بطرفه وأعاده إلى موضعه. استشاط الضابط غضبا وكال لحمد الشتائم، اندهش الرجلان، وظلا صامتين يحملقان فيه، فلم يتوقف عن السباب، فما كان من حمد إلا أن رد السباب بمثله، أسرع الضابط فالتقط سلاحه وصوبه ناحيته، قفز عبد الرازق نحو الضابط ودفعه بقوة فأوقعه أرضا، ومال عليه يحاول تهدئته. وآثر حمد أن يغادر المكان.
قال عبد الرازق: لم يكن الأمر يستدعي كل هذا، ومع أن العلم في النهاية ليس إلا قطعة قماش، فإن حمد لم يمسه بسوء.
قال الضابط خافضا صوته: استمع إلي جيدا. نحن أبناء وطن واحد، وهذا الرجل من البلد الذي نحاربه منذ سنوات، إنه عدو، فلا تأمنه.
رد عبد الرازق: إنه أمني وملاذي ورفيق طريقي. أنا لا أرى أمثالك إلا عن بعد.
أضاف الضابط متجاهلا ما قيل: لقد أصبحت الآن قادرا على السير، أريدك أن تصطحبني إلى أقرب نقطة حدود لغربستان.
رد عبد الرازق: حرس الحدود على الجانبين ألفوا رؤيتي لأكثر من عشر سنوات، وأنا لا أثير ريبتهم؛ فهم واثقون أن كل ما أفعله هو السعي على لقمة العيش، لكنني لا أضمن أن يتركوك وشأنك. - حسنا، فلتبلغ أي مركز شرطة أو موقع عسكري عندما تعود إلى غربستان اليوم. - لن أقدم أبدا على تضحية كهذه. أنا لا أضمن أن أخرج من هذه الأماكن إن دخلتها. ليس أمامك إلا حمد فصلاته بالطرفين قوية، وهو يمدهما بالكثير مما يحتاجان إليه من غذاء ودواء وسجائر وأشياء أخرى.
رد الضابط غاضبا: إلا هو.
توقف الثلاثة عند السلك الشائك أمام أول نقطة حدود لدولة غربستان، تقدم الضابط الجريح وصاح بأعلى صوته معلنا جنسيته ورتبته العسكرية وطالبا الحديث إلى قائد المجموعة. بعد قليل سمح له بالدخول بعد تفتيشه، وظل حمد وعبد الرازق في الانتظار خلف السلك الشائك كما طلب الضابط.
عاد الضابط الجريح وخلفه ثلاثة جنود، وأشار لحمد وعبد الرازق أن يقتربا من السلك الشائك، ففعلا، فرفع سلاحه وأفرغ فيهما ذخيرته.
سأله أحد الجنود مندهشا: ماذا فعلا يا سيادة النقيب؟
Unknown page