وعن مسند ابن أبي شيبة أن خالد بن الوليد كان يفزع في نومه، فشكا إلى النبي عليه السلام، فقال له: «إن عفريتا من الجن يكيدك.»
وبذلت هذه الأسرة الممتازة ضحيتها الكبرى في شخص سليلها عمارة بن الوليد أحد الإخوة المذكورين بأسمائهم من ذرية الوليد بن المغيرة.
وعمارة هذا، هو صاحب عمرو بن العاص في رحلة الحبشة رسولين إلى النجاشي؛ لتسليم المسلمين بها إلى قريش.
وكان مولعا بالخمر والغزل، وسيما محببا إلى النساء. فلما كان بالسفينة مع عمرو وامرأته شرب ونظر إلى امرأة عمرو نظرة مريبة.
وقد نلمح عوارض الأسرة هذه في أعظم أفراد الأسرة كما نلمحها في هذا المسكين الذي ابتلى بالثمن الفادح والضحية الكبرى. فخالد بن الوليد - شرف بني المغيرة - لم يفتنه الميل إلى المرأة كما فتن أخاه، ولم يصرفه قط عن عبء من أعباء البطولة ولا عن فريضة من فرائض العظمة والعبقرية، ولكنه على هذا قد تعرض للمؤاخذة من عمر بن الخطاب ومن أبي بكر الصديق في صدد الزواج المعجل في غير حينه، فسبى امرأة مالك بن نويرة، وتزوج في حرب اليمامة وهو بميدان القتال، وسبى ابنة الجودي في دومة الجندل، وقيل: إنه فقد أربعين ولدا في طاعون الشام وهو بقيد الحياة لما يجاوز الخمسين بكثير.
وتلك في جملتها شواهد العوارض التي يقرر النفسانيون المحدثون أنها سمات العبقرية في منابتها، ومنابتها هي الأسر التي تنجبها وتبذل أثمانها قبل أن تنعم بمجدها وفخارها.
وكما ظهرت هذه العوارض في لون من ألوانها على أخيه عمارة، ظهرت في بعض ألوانها الأخرى على أخيه الوليد الذي كان مثله يراع في رقاده.
فهذا الأخ الكريم كان مع جيش المشركين في وقعة بدر فأسره المسلمون، وطال الكلام في فدائه لغناه وعداوة أهله للإسلام، فطلب آسره أربعة آلاف درهم، وأوصى النبي ألا يقبلوا فدية له غير شكة أبيه الوليد وهي درع فضفاضة وسيف وبيضة. وكل هذه المطاولة والمساومة والوليد باق على دين الشرك في أسر المسلمين. فلما تم فداؤه وذهب إلى أهله، أعلن إسلامه بينهم وهم كارهون، وعجب المشركون لأمره فسألوه: هلا أسلمت قبل أن تفتدى؟ فقال: كرهت أن يظن بي أنني جزعت من الإسار ... وصبر على التعذيب والنكاية والحبس بين أهله حتى أفلت بعد جهد وحيلة ولحق بالنبي مشيا على قدميه ...
هذه أيضا نفحة خالدية من نفحات تلك الأسرة القوية التي تأبى لخلائقها إلا أن تحير الناس وأن ترد عليهم من مورد التفاوت والإغراب والمخالفة للمألوف.
وهي في أطوارها المتباينة منجم العبقرية الذي لا مراء فيه، ومعدن البطولة التي تكتب لصاحبها وهو في الأصلاب.
Unknown page