ومنها أن العلة في الشيء إذا كانت من اجتماع شيئين ، أو أكثر من ذلك، لم تكن واجبة إذا انفرد بعض تلك الأشياء، مثل رجل أراد قلب حجر ثقيل فلم يطقه، فلما عاونه عليه غيره وتأيدت قواهما قلباه، (فليس العلة في استقلال أحدهما به)، لأن كل واحد منهما عاجز عنه إذا انفرد به، وإنما العلة اجتماعهما. ومن هذا المعنى يحتج للتواتر بأنه حجة، وإن كان كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب.
ومنها أن العلة إذا كانت مأخوذة مما يوافق الخصم فيه، فلا مطعن له، فيها، وذلك مثل قول موحد سأله مشبه عن العلة في وقله: إن الله سبحانه ليس بجسم. فقال: لاجتماعنا على أنه ليس يشبهه شيء، فلو كان جسما لكان مثل الأجسام في معنى الجسمية. وإذا كانت العلة مأخوذة مما يخالفك فيه الخصم، فليس يجوز أن تحتج عليه بها إلا بعد أن تعلمه أن علتك مأخوذة مما يخالفك فيه، وأنه لا سبيل إلى تعريفه صحتها إلا بعد أن تصح عنده المقدمات التي أوجبتها، وذلك كجواب موحد سأله ملحد عن العلة في إثبات الرسل، فليس يمكنه أن يبين ذلك إلا بعد أن يدل على البارئ - سبحانه - فإذا صح في نفس خصمه أنه موجود، وأقر له بذلك، ذكر العلة في الرسل، فأما قبل ذلك فلا سبيل له إلى إيجاده العلة في ذلك.
Page 182