وإذا عدوت أخاه لم تجد أحدا يدرك حقيقته في تلك الأمور، وأخوه ذلك لم يدرك حقيقته في كل أمر مع ذلك، وأخوه ذلك كان «بسمارك في صورة مالك شريف بالمارش»، ومع ما كان من انفصال أحد الأخوين عن الآخر في الأمور المالية وفق ما اتفقا عليه سابقا، ومع ما نراه من عدم الأدلة على أن بسمارك الدبلمي أعطى أخاه المالك الشريف أية وكالة مهمة في إدارة أملاكه؛ نبصر بسمارك كان يطلع أخاه ذلك على وضعه المالي الخاص، وهو يبث شكواه إلى الحكومة المحلية، التي ينتسب إليها في الوقت الحاضر، حول العلاوات، وأعمال الأسداد الإضافية التي يطالب بها سيد شونهاوزن العتيد، «وإني، بعد أن قبضت ما بقي لي من الإجارة بشونهاوزن، أجد لدي من الخطط ما أطفئ به الديون، فأنا بخيل ككل واحدة من أرباب رءوس الأموال.» وهو إذا ما دعي مع زوجته إلى بيت أحد الدوكات في يوم من الأيام، وهو إذا ما دعي معها في يوم آخر إلى بيت دوك كبير، حسب فوجد «أن مثل تلك الرحلات مع الحقائب والخدم والحلوان وأجرة العربة يكلف بدلا أعلى مما يكلفه تناول عشاء في منزلي»، ثم يعد ما يقيمه من الولائم بسبب منصبه، «وما يتطلبه جميع ذلك من مال يدفع فيستلزم حذرا من قبلي أكثر مما تعودته نحو أعمالي النقدية فيما مضى، والآن نعيش مقتصدين؛ تأدية لنفقات الشتاء الماضي، وستعود ميزانيتي إلى مجراها الطبيعي في اليوم الأول من يوليو»، ويطالب ذات يوم بألف تالير كنفقات كانت الدولة تقوم بها، فبلغ من الغيظ ما غدا معه «أكثر تقتيرا مما كان عليه سابقا في الأمور الاجتماعية»، وما كان يكثر من الحديث في كثير من رسائله عن أولى ولائم العشاء التي يقيمها فقط، بل تجد مثل ذلك فيما كتبه حتى بعد ست سنوات أيضا، ومن ذلك «أن فضلات المائدة تؤلمني في كل مرة، فإذا ما ابتلعتها وحدي أفسدت معدتي، وإذا ما دعوت شباب النهام وشيبهم إلى أكل تلك الفضال شربت حتى سكرت معهم فلا يلائمني ذلك.»
ثم يجد بسمارك حياة الوظيفة مملة؛ فقد جاء في كتاب إلى حماته: «من العادة أن أقضي وقتي من ساعة تناول الشاي صباحا حتى الظهر في استقبال السفراء وسماع تقارير الموظفين، ثم أحضر جلسات تنتهي على غير انتظام بين الساعة الواحدة والساعة الرابعة، فإذا ما حل ذلك كان لي من الوقت الكافي ما أركب فيه جوادا وما أقوم فيه بكتابة الرسائل حتى الساعة الخامسة، ثم نتناول العشاء - عادة - مع واحد أو اثنين من ملحقي السفارة، وتكون ساعة الهضم أفضل ساعات النهار على العموم، وإن كنت أضطر إلى الذهاب، في الغالب، قبل أن أزدرد آخر لقمة، وأدخن تبغا مستلقيا على كرسي طويل مستور بجلد نمر مع جلوس حنة والأولاد حولي، فأتصفح نحو عشرين جريدة، ونخبر في الساعة التاسعة أو في منتصف الساعة العاشرة بانتظار العربة، فنلبس ثيابنا على عجل، ويساورنا سوء مزاج وألف تأمل مر حول غرابة ما يحس من «الملاذ» في مجتمع أوروبي كالذي نذهب إليه، وهنالك تثرثر حنة مع الأمهات على حين أرقص مع البنات أو أهذر مع الآباء، ونعود إلى المنزل حوالي منتصف الليل فأقرأ مستلقيا على السرير ما تيسر، ثم أنام إلى أن تنبهني حنة وتسألني ثلاث مرات عن عزمي على النهوض.»
وفي المنزل تسلية لا شكل لها، ولا نظام في المنزل، وتجيء الراحة في المنزل قبل الرسميات، ويزور الأمريكي موتلي صديقه القديم بسمارك في فرانكفورت، فيقول: «إن ذلك هو أحد البيوت التي يصنع فيها كل واحد ما يود. وتقع الغرف الخاصة في الخلف، وهي تشرف على حديقة كبيرة، وهنالك يجتمع الشباب والشيب والآباء والأبناء والكلاب، وهنالك يأكلون ويشربون ويدخنون، وهنالك يعزف على البيان، وفي الحديقة تطلق العيارات النارية، ويقع ذلك كله في وقت واحد، وفي ذلك المنزل يقدم كل ما يؤكل ويسقى، وفي ذلك المنزل يتناول الإنسان ما طاب من ضروب الشراب كالبورتو والسودا والجعة والشنبانية والبورغون والبوردو. وفي ذلك المنزل يدخن الجميع أجود سغاير الهافانا على الدوام.» وإذا ظل بسمارك في مباذله ذات الصور كالأزهار حتى الضحى - حتى الظهر أحيانا - ظهر طيب المزاج، وبسمارك إذا خرج من المنزل وجب أن يكون كل شيء عنده على ما يرام، قال بسمارك: «أفضل خمسة أقمصة من أحسن نوع على عشرة أقمصة منشاة، ولن يشترى قميص لائق بتاليرين.»
وذلك الطراز من الحياة يجدد شبابه إلى حد ما، وذلك كما يستدل عليه من الصورة الزيتية التي صوره بها صديقه بيكر، والآن يفقد بحلق ذقنه شيئا من وقاره الذي لازمه قبل سفارته وبعدها، وحلق الذقن تضحية في سبيل الدبلمية، وقد قال لزوجه: إنه حلق ذقنه ببرلين إجابة إلى رغبة أبدتها، وهو لم يحلقه بالحقيقة إلا عملا بنصيحة نيسلرود حين وجب تقديمه في برلين إلى القيصر الذي كان لا يحب اللحى، وكانت تلك الحياة الحضرية جديدة عليه وكان يكرهها في الغالب، ويشتكي «من اطراد الأعشية والاستقبالات المملة الموجبة لضياع الوقت، ويسفر ازدراد ما في الأطباق من أطعمة ناعمة عن بيد
3
الكبد، ويؤدي عدم الحركة في أيام إلى داء السكتة»، ويشير الطبيب عليه بالنهوض من الفراش في الساعة الخامسة صباحا وبلف بدنه بنسيج ثري،
4
فيفضل عليه «ضربا من الموت أقرب إلى الطبيعة، إذا كان لا بد من الهلاك ذات يوم».
وله توازنه بركوب الخيل وبالصيد، وهو يغضب في كل مرة تحمله أعماله على العدول عن رحلة صيد، «فالصيد أحسن وسيلة لقتل الوقت، والآجام أحب شيء إلي لما لا يصل إلي فيها إنسان ولا رسالة برقية، وما أكثر ما يساورني حنين إلى حياة الريف. ويمر العمر، وأود الهدوء»؛ ولذا يطلب إلى أخيه أن يجد له سرج فرس، «لثقلي ومنظري، ولست أبالي برشاقة الدابة ما دمت محتاجا إلى تمرين عنيف.»
والفرق بعد عشر سنين واضح في ذلك الكتاب الذي يطلب فيه فرسا، فلم تكن الخيل والنساء لديه ذوات نزق كاف في الماضي، والآن لا يريد ترويض أحد، والآن يريد الهمز
Unknown page