أعتقد أنه قد آن الأوان أخيرا ألا تظل الشعارات تخطف أبصارنا خاصة وكل الناس والحمد لله قد أصبحوا حملة شعارات براقة خاطفة. المهم أن ندرك جيدا كنه اليد التي ترفع الشعار، والمصدر الذي يردده، إدراك هذا بالغ الأهمية؛ لأن من السهل جدا أن نخدع عن الحقيقة باسم الحقيقة، وعن التقدم وعن شرف الكلمة باسم شرف الكلمة، من السهل ما دمنا نجري وراء الشعار فقط أن يخدعنا حامله، وبنفس الطريقة التي يكذب بها علينا وربما على نفسه، يجرنا إلى مزالق بالغة الخطورة. ولأنه يصدر في دعوته للفضيلة عن حقد ينشر الحقد بيننا دون أن نحس، فالحقد روح تسري ربما من خلال أطيب الألفاظ، وما أكثر ما تسربت روح تشكيك الناس في الآخرين واستعداء البعض على البعض من خلال دعوات صالحة إلى المحبة والتسامح!
ولكنها - والحمد لله أيضا - نماذج قليلة، أصبح أمرها معروفا، حتى ليكاد المواطن البسيط يحددها بالاسم واللقب. وسر إعجابي الشديد ب «محمود أمين العالم»، رغم كل ما قد يكون بيننا من اختلافات، هو أنه النموذج المناقض تماما لهذا النوع الذي ذكرت، إنه الابن الطيب الذي ورث عن هذا الشعب كل تواضعه وبساطته وصدقه الكامل مع نفسه، وحين اعتنق «محمود العالم» رأيه لم يحمله في يده صولجانا يتباهى به على الآخرين ويتهمهم بالتخلف ويشيد بسموه وتقدميته، إنما راح بكل بساطة يعمل من أجل إقناع الآخرين وكسبهم. لم يجعل همه أن يضبط الناس ويسجل عليهم تقاعسهم أو قصورهم، أو ينعى على الضعفاء ضعفهم. لم يحله رأيه إلى قاض أخلاقي يحكم على الآخرين ويندد بهم، وإنما بكل سماحته مضى يبحث في الناس عن مواطن الخير ويحبذها ويمجدها، ويعيش رأيه، فبينه وبين نفسه هو هو بينه وبين الناس، ورأيه في وجهك هو نفس رأيه في غيبتك، وبلا تجارة بشرف الكلمة هو دائما شريف الكلمة، وبلا صراخ أو ضجيج منفعل واتخاذ لموقف الشهيد المعذب ضحى ولم أسمعه مرة يذكر تضحيته، أو أحسست به واعيا أو مدركا لها وكأنها ما حدثت. ولم تكن هذه صفاته هو وحده، إن شعبنا حافل بالملايين من أمثاله، آخرهم وليس أقلهم هو ذلك العامل في السد العالي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ذلك الذي كان بعد أن تنتهي نوبته يظل في مكانه يعمل ولا يطالب أبدا باحتساب أجر عمله الإضافي هذا، ولا سمعه أحد يذكر أنه إنما يضحي من أجل مشروعنا وشعبنا. الخير فينا كثير ولكن المشكلة، الشاذ، هو ذلك النوع من الكائنات الذي آن أوان انقراضه واختفائه كلية من حياتنا.
معارك فكرية ولكن ...
وكتاب محمود العالم «معارك فكرية» صورة مصغرة لشخصه، كل ما في الأمر أنك بعد قراءته تؤمن أن العالم يعتنق رأيه، لا لأنه مع الرايجة أو ليركب موجة الاشتراكية الصاعدة؛ ولكن لأنه وصل إليه بعد رحلة بحث شاقة وعميقة، بعد معاناة جادة ودءوبة لمواطن مثقف أراد أن يعرف الحق والحقيقة، وحين وصل إلى ما آمن أنه الحل الحتمي ليس فقط لمشاكل شعبنا وإنما للعالم والوجود كله، وهب نفسه كلية لهذا الإيمان يدعو له ويناضل في سبيله ويدافع عنه.
والكتاب مذكرة ضليعة أعدها محام قدير مدافعا عن قضية الاشتراكية العلمية، مذكرة تفند في تدفق وقسوة أقوال شهود النفي من براجماتيين ووضعيين منطقيين ووجوديين وغيرهم، وفي نفس الوقت تبشر بتدفق أعظم بكل ما يصلح دليلا للإثبات. وكم كنت أتمنى لو لم يكن الكتاب عددا من المقالات المتفاوتة التواريخ، فقد أدى هذا إلى أن هناك مقالات تحس أن الآراء الواردة بها قديمة والقضايا التي تثيرها قد انتهى الجدل حولها من زمن، في حين أني كنت أطمح من كتاب يكتبه «العالم» اليوم ويتحدث فيه عن الاشتراكية أن يأتي ابن ساعته، ابن أعوامنا هذه وقضايانا. فالجدل حول الاشتراكية لم يعد جدلا حول نفعها أو أهميتها أو تفوقها على كل الفلسفات، ولا عن حتميتها ووحدانيتها كالوسيلة العلمية الوحيدة لحل متناقضات المجتمع البشري بحاضره ومستقبله. كل هذا لم يعد محل جدل كثير، إنما الجديد اليوم هو القضايا التي أثارتها الاشتراكية نفسها لدى تطبيقها، الجديد هو المشاكل التي أثارتها الاشتراكية العلمية في حلها، الجديد هو القضايا التي كانت تعتبر مسائل مسلما بها، والتي لم تعد الآن كذلك، الجديد مثلا هو مشكلة علاقة الفرد والمجتمع؛ إذ إن التطبيق قد أثبت أنه في بعض الأحيان يطغى الوجود الجماعي على الوجود الفردي إلى درجة تهدد الجماعة نفسها، إلى درجة أصبح شغل المفكرين الاشتراكيين الشاعل هو كيفية تحقيق الوجود الفردي داخل الوجود الجماعي دون أن تتضخم الفردية وتطغى، الجديد هو الديمقراطية الاشتراكية لا كشعار، وإنما كحقائق وتطبيقات، الجديد هو التغيرات التي طرأت على موقف الاشتراكية من الداروينية والفرويدية والنسبية. كل هذا كنت ولا أزال أتوقعه من كتاب يكتبه محمود أمين العالم عن الاشتراكية، ولكن الكتاب ليس بالضبط عن الاشتراكية وإنما هو كما يقول عنوانه معارك فكرية، صحيح أنها معارك فكرية يخوضها مفكر وفيلسوف اشتراكي ضد أفكار وفلسفات غير اشتراكية، ولكن رغم دسامة الدراسات وعمقها، رغم أنها ترسم صورة نابضة لجانب هام من جوانب وجودنا الفكري والسياسي، رغم أن موضوعها معروف وموقف كاتبها واضح سلفا، رغم أنها أول كتاب لمحمود أمين العالم، إلا أنني ومعي آلاف من قراء السياسة والفلسفة والمتتبعين لكل ما يمت إلى قضية حياتنا الاشتراكية لا نزال في حاجة ماسة من كافة كتابنا ومفكرينا وفلاسفتنا الاشتراكيين، ومن محمود العالم بالذات، إلى كتاب عن المعارك الجديدة للاشتراكية، وأهمها معركة الاشتراكية والاشتراكيين مع الاشتراكية نفسها، أو بمعنى أدق مع بعض المفهومات الاشتراكية، وبشكل خاص تلك المفهومات التي يتسرب منها الخطأ أثناء التطبيق، والتي نسيت في ظهور الانحرافات الطغيانية وعلى رأسها - دون ريب - العلاقة التي شغلت بال البشرية منذ أتينا إلى لحظتنا الحاضرة، علاقة الفرد بالجماعة والمجتمع والدولة.
إني وإن كنت أعتقد أن كتاب معارك فكرية هو من أخصب وأدسم ما قرأته في حقل الفكر والفلسفة من إنتاج القريحة العربية، إلا أنني أتطلع بشغف كبير إلى الكتاب القادم لمحمود أمين العالم عن معارك الاشتراكية مع الاشتراكية، إذا صح أن تسمي هذه القضايا الخطيرة معارك. (31) الثورة الجزائرية «بومدين»
الحقيقة أن شغفي بالثورة الجزائرية لم يفتر يوما منذ أن اندلعت في أول نوفمبر عام 1954، وقد قدر لهذا الشغف أن يتطور لتصبح القضية الجزائرية قطعة من ذات نفسي وجزءا لا يتجزأ من تاريخ حياتي، وأنا أشهد أحداثها في مراحلها المختلفة، وأرى أبطالها وهم ثوار خنادق وغارات، ثم وهم رجالات سياسة ودولة وأزمات!
وكان أول اتصال حقيقي حدث لي مع الثورة الجزائرية وجيش التحرير، هو ذلك اليوم الذي قرر فيه الدكتور عبد القادر حاتم إيفاد بعثة لعمل تحقيق تليفزيوني مصور كامل عن الثورة الجزائرية، وعهد لي بشرف رئاسة هذه البعثة. وكانت مغامرة العمر، فقد أتيح لي آنذاك أن أحيا مع جيش التحرير الوطني الجزائري وهو يقض مضجع فرنسا بهجومه ومعاركه وغاراته، وقضيت الأيام والأسابيع مع قواته داخل الخنادق المحفورة في بطن الجبل، وفوق الربى والغابات أشهد وأساهم وأتصور بعض معاركه الفاصلة، وعبر الخطوط المكهربة، وأخرج من هذا كله بإصابة الركبة اليمنى، وبفيلم عن الثورة عرضه التليفزيون، وكان أول تحقيق يقوم به جهاز للإعلام العربي عن أعظم ثورة عربية مسلحة، فيلم عرض أكثر من مرة، وبيعت منه أكثر من نسخة إلى محطات التليفزيون العالمية.
قصة طويلة مريرة عامرة بالذكريات ...
المهم الذي أريد أن أذكره هنا هي تلك الليلة التي لا أنساها أبدا، والتي كانت أول وآخر مرة أقابل فيها الكولونيل بومدين في مقر قيادته السرية لجيش التحرير.
Unknown page