44
تصايح الغلمان المتجمهرون أمام باب البيت وعلى طوار سبيل بين القصرين مهللين، تميز صوت كمال وهو يهتف: «هلت سيارة العروس» ورددها ثلاثا فخرج ياسين - وهو في كامل زينته وأبهته - من بين الجماعة الواقفة عند مدخل الفناء، ومضى إلى الطريق فوقف أمام الباب متجها صوب النحاسين، فرأى موكب العروس وهو يتقدم على مهل كأنه يتبختر. في تلك الساعة الحافلة بالسعادة والرهبة، وعلى رغم الأعين المحملقة فيه من داخل البيت وخارجه ومن فوق ومن تحت، بدا ثابتا غير هياب مفعما رجولة وفحولة، لعل مما أيده في ثباته إحساسه بأنه محط الأنظار، فغالب بشجاعة ما يخفق بين جوانحه من اضطراب أن يبدو للناظرين في حال تخجل منها الرجولة، ولعله أيضا علم بأن أباه منكمش في مؤخرة الجماعة المنتظرة عند مدخل الفناء - التي تضم آل العروسين من الذكور - بحيث لا تمتد إليه عيناه، فوسعه أن يتمالك نفسه وهو يرنو إلى السيارة الموشاة بالورود التي تحمل إليه عروسه بل زوجه منذ أكثر من شهر، وإن لم تقع عيناه عليها بعد، أو الأمل الذي صاغه بأحلامه الظامئة لسعادة لا تقنع بما دون الدوام. وتوقفت السيارة أمام البيت على رأس ذيل طويل من السيارات، فأخذ أهبته للاستقبال السعيد، وقد استجدت عنده الرغبة في أن يستشف النقاب الحريري ليرى وجه عروسه لأول مرة، ثم فتح باب السيارة وترجلت جارية سوداء في الأربعين قوية البنية، لماعة البشرة نجلاء العينين، فاستدل بما يلوح على حركاتها من الثقة والإدلال على أنها الجارية التي تقرر إلحاقها بخدمة العروس في بيتها الجديد، تنحت جانبا ووقفت منتصبة القامة كالديدبان، ثم خاطبته بصوت كرنين النحاس، وهي تبتسم عن أسنان ناصعة البياض قائلة: تفضل خذ عروسك.
فتقدم ياسين من باب السيارة، ومال إلى الداخل قليلا، فرأى العروس في حلتها البيضاء بين غادتين على حين استقبله عرف طيب مفتنة للجوارح، فتاه في جو الحسن منبهرا، ومد لها ذراعه لا يكاد يرى شيئا كما يكل بصر طالع نورا ساطعا، وعقل الحياء العروس فلم تبد حراكا، فتطوعت التي إلى يمينها، فتناولت يدها وطرحتها على ذراعه هامسة بنبرة ضاحكة: تشجعي يا زينب.
دخلا جنبا لجنب وهي من الحياء تحول بينه وبينها بمروحة كبيرة من ريش النعام وارت بها رأسها وعنقها، فقطعا الفناء بين صفين من المنتظرين يتبعهما المدعوات من آلها اللواتي تعالت زغاريدهن كأنهن لا يبالين السيد أحمد وقيامه على ذراع منهن، هكذا لعلعت الزغاريد في البيت الصامت لأول مرة وعلى مسمع من سيده الجبار، فلعلها وقعت من آذان أهله موقع الدهشة، بيد أنها دهشة مزجت بالفرح، ولم تخل من شماتة بريئة مرحة روحت بها القلوب عن قرار الحظر الصارم الذي قضى بألا تكون زغاريد ولا غناء ولا لهو، وبأن تمضي ليلة زفاف الابن البكر كما تمضي غيرها من الليالي. وتبادلت أمينة وخديجة وعائشة النظرات متسائلات باسمات وتكأكأن على خصاص نافذة مطلة على الفناء؛ ليشهدن أثر الزغاريد في نفس السيد فرأينه يحادث السيد محمد عفت ضاحكا، فتمتمت أمينة قائلة: «لن يسعه الليلة إلا أن يضحك مهما يبدو مما لا يروقه!» وانتهزت أم حنفي الفرصة السانحة، فاندست بين المزغردات كالبرميل، وأطلقت زغرودة قوية مجلجلة غطت على الزغاريد كلها، وعوضت بها ما ضيعت - في ظل الإرهاب - من فرص المرح والمسرة على عهد خطبتي عائشة وياسين، وأقبلت على سيداتها الثلاث وهي تزغرد حتى استغرقن في الضحك، ثم قالت لهن: «زغردن ولو مرة في العمر ... إنه لن يدري الليلة من المزغرد!» رجع ياسين بعد إيصال العروس إلى باب الحريم، فالتقى بفهمي الذي لاحت على شفتيه ابتسامة موحية بالحرج والإشفاق لعلها أثر مما خلفته في نفسه هذه الضجة البهيجة «المحرمة»، وكان يخالس أباه النظر ثم يرده إلى وجه أخيه ضاحكا ضحكة مقتضبة مغضوضة، فما كان من ياسين إلا أن قال له بلهجة لا تخلو من استياء: أي استنكار في أن نحيي ليلة الزفاف بالفرح والزغاريد؟! ... وماذا كان عليه لو وافق على استدعاء عالمة أو مغن؟!
تلك كانت رغبة الأسرة التي لم تجد إلى الإفصاح عنها من سبيل إلا أن تحرض ياسين على الاستشفاع بالسيد محمد عفت على أبيه، ولكن السيد اعتذر وأبى إلا أن تكون ليلة زفاف صامتة، وأن تقتصر مسراتها على العشاء الفاخر. وعاد ياسين يقول آسفا: لن أجد من تزفني هذه الليلة التي لن تتكرر أبد الدهر! ... سأدخل حجرة العروس غير مشيع بالأناشيد والدفوف كأنني راقص يهز جذعه دون إيقاع.
ثم لاحت في عينيه ابتسامة مرحة ماكرة، فقال: الذي لا شك فيه أن أبانا لا يطيق «العوالم» إلا في بيوتهن!
مكث كمال في الدور الأعلى الذي أعد لجلوس المدعوات ساعة، ثم نزل باحثا عن ياسين في الدور الأول الذي هيئ لاستقبال المدعوين، ولكنه وجده في فناء البيت يتفقد المطبخ المتنقل الذي أقامه الطاهي، فأقبل نحوه مسرورا إدلالا بأداء المهمة التي عهد بها إليه، وقال له: فعلت كما أمرتني فتبعت العروس حتى حجرتها وتفحصتها بعد أن حسرت النقاب عن وجهها ...
فانتحى به جانبا وهو يسأله باسما: هه؟ ... كيف عودها؟ - في عود أبلة خديجة.
ضاحكا: في هذه الناحية لا بأس؟ ... أتعجبك كعائشة؟ - كلا ... أبلة عيشة أجمل كثيرا! - يخرب بيتك أتريد أن تقول إنها كخديجة؟ - كلا إنها أجمل من أبلة خديجة. - كثيرا؟!
فهز رأسه مفكرا فسأله الشاب بلهفة: حدثني عما أعجبك فيها؟ - أنفها صغير كأنف نينة ... وعيناها كعيني نينة أيضا. - ثم؟ - لونها أبيض، وشعرها أسود، ورائحتها حلوة جدا. - نحمده ... ربنا يبشرك بخير.
Unknown page