كانت هذه الضربات رموزا لما وراءها من جهاد وجلاد، وكان هذا الضوء بيانا لما يتصل به من هدى، وكانت يمين الرسول العزم المصمم، وكان كل خير وحق وفضيلة في النفس التي تبطش بهذه اليد.
كانت هذه المعاني كالشرارة الصغيرة تؤجج ما شاء الله من نار ونور، والآحاد في الأعداد تستوعب كل ما يدركه العد، وكالفكرة الأولى تفتح للعقل طريقا مديدا، ومذهبا جديدا، وكحروف الهجاء تنتظم لغات العالم، وكقرص الشمس يغمر العالمين نورا.
كذلك سخر الذين سمعوا قصة «محمد» ومعوله، وعرفوا حديث القائد المحصور يبشر بفتح العالم! ولكن كثيرا من هؤلاء الساخرين عاشوا حتى سمعوا صدى هذه الضربات في «اليرموك» و«القادسية»، وما تلاهما شرقا وغربا، وأبصروا برقها يصعق «يزدجرد» و«هرقل» وجنودهما، وكل جند للباطل على ظهر الأرض.
ورأوا المعاني التي مثلتها هذه الضربات، وقد صارت بالباطل غير رفيقة، وزلزلت الظلم غير مشفقة، وانتشرت في المشرق والمغرب كالسحاب مجلجلا، مضيئا، صاعقا، ممطرا منبتا.
عاش الساخرون عشر سنين، فرأوا جزيرة العرب تدين لصاحب المعول، ورأوا فارس والروم تخر لضرباته، والمشرق والمغرب يستضيء بهذه البرقات، وعلموا يقينا أن محمدا صدقهم حينما وعدهم فتح العالم وهو قائم في الخندق يحطم بمعوله الصخرة التي أعيت على أصحابه.
عمر المختار وأصحابه1
في كل فج عزمهم سيار
إلى الردى تهافتوا وطاروا
في حومة الموت لهم أوطار
جماعة ليس لهم ديار
Unknown page