لست أدري أكان السلطان محقا في فرض ما فرض من المال أم لا، ولست - لذلك - أعرف أكان الشيخ محقا في جبه السلطان بما جبهه به، ولكن لا ريب عندي أن السلطان أحسن حين التمس فتوى العلماء قبل أن يجمع المال، وأن الشيخ أدى واجبه حين صارح السلطان بما يعتقد، ولم يأخذه في الحق خوف ولا طمع، وأن محيي الدين النووي قد فقه أحسن الفقه ما على العلماء من النصيحة لأولي الأمر، والجهر بالحق في غير مداهنة ولا خوف.
رحم الله النووي، لقد كان من علماء المسلمين، ولله تاريخ المسلمين كم فيه من أمثال محيي الدين!
الفريقان المتحاربان في فلسطين
الحق والباطل
يحترب في فلسطين فريقان: فريق العرب يذود عن ذماره، ويدفع عن حقه، ويدعو إلى النصفة والعدل، وإلى أن يعيش هو وخصمه أمة واحدة في بلد واحد، لكل حقه، وعلى كل واجبه.
وفريق آخر من شذاذ الآفاق، وخبث الأقطار، يلجون على العرب ديارهم، بأيديهم المال والسلاح، وما أورثهم تاريخهم والعيش الذليل في أوروبا من ختل وغدر، يظنون أنهم صاروا أمة لأن باطلا يجمعهم، وعدوانا يربط بينهم. وكل فرقة منهم تنمى إلى أمة، وكل جماعة تنتسب إلى بلد، وكل فرد يحمل سحنة تنافر سحنة أخيه، ولا تشبهها إلا في سمات اللعنة فيها، ومياسم الخزي عليها.
ويقول هؤلاء الأرذلون: لا نرضى نصفة معكم، ولا مساواة بكم، ولكنا نريد وطنا ودولة، وأنف الحق راغم، ودعوة العدل صاغرة، وإن لنا قوة من سلاحنا، ومالنا، وحيلنا، وغدرنا، وخيانتنا، ولنا أعوان في أوروبا وأمريكة يسحرون بالمال، ويسخرون بكل الوسائل رؤساء الدول، وأئمة الساسة، وأصحاب الصحف، وبيدهم المصارف ودور السنيما وكل وسائل النشر والتضليل؛ فيأيها العرب المساكين، أفسحوا المجال لدولة إسرائيل!
ويقول العرب: لا لا، بل
تعالوا إلى كلمة سواء ، نسويكم - أيها الطراء المتطفلون - بأهل البلاد الذين أقرهم التاريخ فيها، لا يعرفون غيرها وطنا، ولا يتخذون غيرها دارا، فهلموا إلى الدولة الواحدة، والشريعة العادلة، والتآخي والتناصف!
فتقول هذه الوجوه الملعونة، وهذه الفئات الطريدة: لا لا، إن أرضكم لنا، ودياركم لدولتنا، فانزلوا على حكمنا صاغرين!
Unknown page