36

استشاطت موريل غضبا لكلمات ميليسينت؛ حيث حسبت أن ميليسينت تظن فيها ظن السوء شأنها شأن الآخرين. ألم يكن من حقها أن تمضي وقتا ممتعا؛ وقتا بريئا ممتعا؟ صفقت الباب وراءها، ودهست بسيارتها نبات زنبق الكالا، عن عمد بالطبع. ليوم كامل، اكتسى وجه ميليسينت بالبقع من فرط البكاء. لكن العداء لم يستمر، وعادت موريل وهي تجهش بالبكاء أيضا، وألقت باللائمة على نفسها، قالت: «كنت ساذجة من البداية.» ودخلت الغرفة كي تعزف على البيانو. تعودت ميليسينت على هذا الموقف المتكرر، كلما كانت موريل سعيدة، وبرفقة صديق جديد، كانت تعزف أنغاما شجية رقيقة مثل «أزهار الغابة»، أو:

ارتدت ثياب الرجال

ارتدتها بكل مرح وابتهاج ...

وكلما تمكن منها الحزن والإحباط، كانت تضرب مفاتيح البيانو بقوة وعصبية، وتنشد بازدراء:

مرحبا جوني كوب، ألم تستيقظ بعد؟

أحيانا كانت تدعو ميليسينت الناس إلى تناول العشاء (ولو أنها تجاهلت آل فينيجان، وآل نيسبيت، وآل دود)، ثم يطيب لها أن تدعو دوري وموريل أيضا. وكانت دوري خير عون لها في غسل الأواني والقلايات فيما بعد، بينما تسلي موريل الزوار بعزفها على البيانو.

دعت القس الأنجليكاني للحضور يوم الأحد بعد صلاة المساء، ومعه الصديق الذي تناهى إلى مسامعها أنه مقيم لديه. كان القس الأنجليكاني عازبا، لكن موريل فقدت الأمل فيه سريعا. قالت إنه غير مناسب لها؛ فشخصيته غير واضحة. يا للأسف! فقد كان يروق لميليسينت، خاصة صوته العذب. لقد ترعرعت ميليسينت تحت مظلة الكنيسة الأنجليكانية، وعلى الرغم من أنها تحولت إلى الكنيسة المتحدة التي زعم بورتر انتماءه لها (وهكذا كان انتماء الجميع، وكذلك جميع الشخصيات البارزة في المدينة)، فإنها ما زالت تفضل التقاليد الأنجليكانية؛ صلاة المساء، وصوت أجراس الكنيسة، والجوقة التي تتقدم الممشى بهيبة ووقار قدر الإمكان وهي تنشد - بدلا من التكدس في المكان والجلوس في صمت فحسب. وأجمل ما في الأمر الكلمات: «لكن ارحمنا يا الله، نحن المذنبين الأشقياء، واغفر لأولئك المعترفين بخطاياهم، ورد التائبين بحسب وعدك ...»

رافقها بورتر إلى الكنيسة الأنجليكانية ذات مرة، ولم ترق له قط.

كانت التجهيزات لعشاء تلك الليلة كبيرة، فقد أتوا بالإستبرق، وملعقة الغرف الفضية، وأطباق الحلوى السوداء ذات الأزهار المرسومة عليها يدويا، ودعت الحاجة إلى كي مفرش الطاولة، وتلميع كل أدوات المائدة الفضية، ثم كان يخشى من أن بقعة صغيرة من الملمع ربما لا تنمحي، أو تلتصق علكة رمادية على أسنان الشوكات أو بين العنب حول حافة إبريق الشاي الذي كان ضمن جهاز الزفاف. طوال يوم الأحد، كانت ميليسينت تتقلب بين المتعة والعذاب والتشويق. تضاعفت المشكلات التي كان يمكن أن تحدث؛ قد لا تحتفظ الكريمة البافارية بتماسكها (لم تكن لديهم ثلاجة بعد، فاضطروا إلى وضع الأشياء التي أرادوا تبريدها في الصيف على أرضية القبو)، وربما لن تصير كعكة الآنجل هشة بالقدر الكافي، وإذا صارت هشة، فربما تصير يابسة، وقد يفوح من البسكويت طعم الدقيق الفاسد، أو ربما تزحف خنفساء خارجة من طبق السلطة. بحلول الخامسة مساء، كانت في حالة هستيرية من التوتر والعصبية لدرجة أن أحدا لم يستطع أن يظل معها في المطبخ. وصلت موريل مبكرا لتعاونها، لكن البطاطس التي قطعتها إلى شرائح لم تكن رقيقة بالقدر الكافي، كما أنها جرحت أصابعها وهي تبشر الجزر؛ ولذلك طلب منها أن تغادر المطبخ لأنها عديمة الجدوى، فخرجت للعزف على البيانو.

كانت موريل ترتدي ثوبا رقيقا مجعدا فيروزي اللون، وفاحت منها رائحة عطر إسباني. لعلها أسقطت القس من حساباتها، لكنها لم تر ضيفه بعد. لعله عازب أو أرمل ما دام يسافر وحيدا، والأغلب أنه ثري، وإلا فلم يكن ليسافر أبدا، لم يكن ليقطع كل هذه المسافة. قال الناس إنه جاء من إنجلترا، ونفى أحدهم ذلك زاعما أنه وفد من أستراليا.

Unknown page