98

Arkhas Layali

أرخص ليالي

Genres

بدأ اللعب في هالة من الصمت الجاد لفت اللاعبين، ثم اتسعت حتى قتلت كل الهمهمات التي كانت تنبعث ممن حولهما. ولم يكن هؤلاء كثيرين، كانت نفس الوجوه التي يسيل عرقها كل مساء، ويلمع تحت سطع الكلوب، وهي تحملق في الأوراق التي على الطرابيزة، والتي في أيدي اللاعبين، كان الجالس على يمين مليم، والواضع كتفه فوق كتفه، حتى ليكاد ينحيه عن كرسيه، كان عبد الودود، وهو رجل لا هشة له ولا نشة، له ثلاثة قراريط يزرعها فجلا وطماطم، ومزاجه الذي يؤرقه أن يجلس في القهوة يراقب اللاعبين، ويزجر هذا في لطف وضعف؛ لأنه يغالط، ويناصر صاحب الحق إن كان هناك صاحب حق. وكان الجالس بجانبه محمد صانع الحصر، وكان كعادته يلوك في فمه متلذذا حبة نعناع، فهو لا يدخن، ولا يحشش، ولا يشرب الجوزة إلا معزوما، ومع ذلك فقد كان حريفا كبيرا، ولكنه تاب عن لعبها حين أقسم من عام مضى بالطلاق ألا يلعبها، ولم يحنث في قسمه، واكتفى أن يجلس جلسته تلك إذا ما انتصب المجال، ويهتف في فرح للعبة الحلوة، ويمصمص حبة النعناع لكل لعبة تفلت.

وكان مصيلحي يجلس بجوار محمد ويزاحمه، محاولا أن يجد له منفذا إلى المنضدة، ومصيلحي كان تلميذا في المدارس، صغيرا إذا ما قورن بالكبار الجالسين حوله، ولكن ذلك لم يمنعه أن يكون أكثرهم نقودا في بعض الأحيان، ولم يحل بينه وبين أن ينازل واحدا منهم في كثير من الأحيان، وكأنه كان يجد في الكوتشينة والقهوة سحرا خاصا يجذبه بعيدا عن أصدقائه ولداته من التلاميذ أمثاله، فكنت لا تراه إلا جالسا في القهوة بجلبابه النظيف، لاعبا إن كان هناك مجال للعبه، أو متفرجا متحمسا إن عز المجال.

ثم كان هناك الشافعي وأبو الخير وعبد ربه، وهم أنظف الموجودين من كل ما يمت إلى المعاملة بصلة. كان لا عمل لهم في القرية فموسم العمل قد انتهى، فكانوا يأتون كل يوم إلى البندر علهم يجدون عملا، وكانوا لا يجدونه، فتلمهم قهوة المعلم بلدياتهم، وكثيرا ما كان يزجرهم، وغالبا ما كان يتركهم حين كان يجد لأكتافهم البلوطية وأذرعهم البرية عملا عنده، وكفاهم ثمنا أن يجلسوا على القهوة.

وكانوا هم الآخرون يزاحمون ويبحلقون، وتعلموا الكوتشينة من كثرة ما زاحموا وبحلقوا، وكان حلمهم الأكبر أن تفضى دستة قديمة تآكلت أوراقها وتمزقت، حتى ينتحي بها أبو الخير وعبد ربه جانبا ويلعبا، ويعد لهم الشافعي الأبناط، فمع أنه كان أضعفهم بنية، إلا أنه كان الوحيد الذي يستطيع أن يعد حتى يصل المائة.

وانتهت العشرة الأولى.

ومع أن الأولى ليست دائما بذات قيمة، وكل واحد يحاول فيها أن يختبر حظه، ويتعرف مهاوي زميله، ويريح التوتر الذي في أعصابه، والذي يسبق اللعبة، مع هذا إلا أن المليم حمرق، وأصر على أنه هو الغالب.

وسواء كان غالبا أو مغلوبا، فقد كان له إصرار عجيب على أنه الغالب، حتى يلومه الموجودون كلهم، ويقنعوه بأنه المغلوب. وكان يوافق حينئذ على مضض كأنه مظلوم مهضوم.

وهكذا لعب مليم، فمع أنه كان حريفا لا بأس به، ويجيد «الدق» والاستدراج والتفنيط، إلا أنه كان يعتمد أكثر ما يعتمد على الضجة التي يصنعها، والإهانة التي لا يني عن توجيهها لخصمه، ومع هذا فقد كان الكل يعجبون لخارق عاداته، كان يكفي أن يضع أوراقه بين سبابته وإبهامه ليعرف كم زوجا ناقصا على أخذ الورق، وكان ماهرا في دس الأولاد والعشرة الطيبة والورق الثمين لتكون من نصيبه. وكان يفعل هذا ويخفيه بزعيقه وغلبته، وهزة وسطه، وملايين الصلاة على النبي، ووحدوه، التي يجأر بها بين كل لحظة وأخرى.

ويا سلام لو جاءته بصرة، كان يقف نصف وقوف ويزغرد، أو إن كان متحمسا يستعجل فيصرخ، ثم يدب الورقة بكل ما يملك من قوة على الطرابيزة قائلا: بصرة، شاهدين.

وغالبا ما كان هذا يدفع الغضب إلى زميله، ويشوش تفكيره، فلا يستطيع أن يحسب ما فات من أوراق أو أن يخمن ما سيجيء، وحينئذ يضطرب ويلقي له بأي ورقة، فإذا بها بصرة ثانية.

Unknown page