بالفعل تبدو ذراعاها ناعمتين وسمراوين. «كنت أنتوي العودة الأحد، لكن روي جاء بصحبة صديق وأقمنا جميعا حفلا لشي الذرة. وكان الأمر رائعا. يجب أن تقومي بزيارتنا ذات مرة.» «سأفعل يوما ما.» «كان الأطفال يطوفون ويدورون حولنا كالعفاريت في مشهد بديع، واحتسينا الميد. يعرف روي كيف يصنع دمى الخصوبة. وصديق روي هو أليكس فالتر؛ عالم الأنثروبولوجيا. شعرت أنني كان علي أن أعرف عنه المزيد، لكنني لم أفعل، ولم يكن هو ليمانع؛ فهو رجل لطيف. هل تعرفين ماذا فعل؟ بعد أن حل الظلام بينما كنا جالسين حول النار، دنا مني وتنهد وحسب، ثم وضع رأسه على حجري. يا لها من حركة لطيفة وبسيطة، كما لو كان كلبا صغيرا يتمسح في صاحبه! لم يفعل أحد مثل هذا الشيء معي من قبل.»
برو
كانت برو تعيش مع جوردون بعد أن ترك زوجته وقبل أن يرجع إليها؛ وهي الفترة التي امتدت عاما وأربعة أشهر إجمالا. ولاحقا، وقع الطلاق بينه وبين زوجته، ثم تلته فترة من التذبذب وعدم الاستقرار، حيث عاشا معا وانفصلا أكثر من مرة. وأخيرا؛ سافرت الزوجة إلى نيوزيلاندا، على الأرجح إلى الأبد.
لم ترجع برو إلى جزيرة فانكوفر حيث التقى جوردون بها حيث كانت تعمل حينها مضيفة بأحد المطاعم في فندق داخل منتجع. وحصلت على وظيفة في تورونتو بمحل لبيع النباتات، وكانت قد أقامت صداقات عدة بحلول تلك الفترة في تورونتو، وكان أغلبهم من أصدقاء جوردون وأصدقاء زوجته. فكانوا يحبون برو ومستعدين للتعاطف معها، لكنها كانت تخرجهم من هذه الحالة بخفة ظلها وسخريتها؛ وكانت ودودة جدا. فهي تتحدث بما يطلق عليه الكنديون الشرقيون «لكنة إنجليزية» رغم أنها ولدت في كندا - وتحديدا في دانكن على جزيرة فانكوفر. وتساعدها هذه اللكنة على التلفظ بأكثر الأشياء تهكما بطريقة ساحرة ومرحة. فهي تعرض حياتها على الآخرين على هيئة حكايات، ورغم أن أغلب حكاياتها تتمحور حول الآمال المفقودة والأحلام التي تصبح موضع سخرية، والأمور التي تحيد عما هو متوقع لها، وكل شيء يتحور بطريقة عجيبة دون أي تفسير منطقي قط، فإن الناس يسعدون بعد أن ينصتوا إليها، ويتحدثون عنها قائلين إنه لمن المريح أن يلتقي المرء شخصا مثلها، شخصا متحضرا غير معقد ولا يصعب حياته على نفسه، وليس له طلبات حقيقة أو شكاوى فعلية.
الشيء الوحيد الذي تشتكي منه كثيرا هو اسمها؛ تقول: إن برو هو اسم فتاة ترتاد المدرسة، وبرودنس اسم بتول عجوز؛ لا بد أن الوالدين اللذين سمياها هذا الاسم كانا ضيقي الأفق جدا لدرجة أنهما لم يضعا في الاعتبار مرحلة البلوغ. ماذا لو تضخم ثدياها - بحسب قولها - أو صارت ملامحها مثيرة؟ أم أن الاسم نفسه يضمن حماية صاحبته من ذلك؟ وإذ بلغت برو أواخر العقد الرابع من عمرها الآن - وهي ما زالت نحيلة القوام جميلة المحيا، تعتني بزبائنها بحيوية واجبة، وتسعد ضيوفها على الطعام - لعلها لم تكن بعيدة كل البعد عما جال بخاطر والديها من أفكار؛ فهي ذكية وعميقة التفكير، وتشاهد الأحداث بمرح. ومن الصعب أن نمنحها صفة النضج أو الأمومة أو أن نحملها مشكلات حقيقية.
أما عن أبنائها الكبار الذين هم ثمرة زيجة سابقة في جزيرة فانكوفر تصفها هي بالكارثة الكونية، فيأتون لزيارتها، وبدلا من مطالبتها بالمال شأن غيرهم من الأبناء، يحضرون لها الهدايا، ويحاولون إدارة حساباتها، ويتخذون التدابير اللازمة لعزل بيتها. فتسعد بهداياهم، وتستمع لنصائحهم، وشأنها شأن الابنة الهوجاء الطائشة تغفل عن الرد على رسائلهم.
ويأمل أبناؤها ألا تقيم في تورونتو بسبب جوردون؛ وهذا أمل كل من حولها، لكنها كانت تسخر من الفكرة؛ فهي تقيم الحفلات وترتادها، وأحيانا تواعد رجالا آخرين. وموقفها من العلاقة الجسدية مريح جدا لأصدقائها الذين تتملكهم حالات بشعة من التعاطف معها والغيرة منها، ويشعرون بالتحرر من القواعد التي طالما تقيدوا بها. فيبدو أنها تتعامل مع العلاقة الجسدية باعتبارها ضربا صحيا - وإن كان سخيفا بعض الشيء - من الانغماس في الملذات، شأنه شأن الرقص والمآدب الشهية؛ شيء لا ينبغي أن يحول دون معاملة الناس بعضهم بعضا بلطف ومرح.
والآن بعد أن رحلت زوجته عنه إلى الأبد، يأتي جوردون لزيارة برو بين الفينة والأخرى، وأحيانا ما يدعوها لتناول العشاء. وربما لا يترددان على مطعم، بل يذهبان إلى منزله. جوردون طباخ بارع. عندما كانت برو أو زوجته تعيش معه لم يكن يستطيع الطهي قط، لكن بمجرد أن عقد عزمه على تعلم الطهي فإنه - حسبما يقول بصدق - تفوق على كلتيهما.
ومؤخرا كان هو وبرو يتناولان العشاء في بيته؛ فطهى دجاج كييف الروسي وكريم بروليه للتحلية. وشأنه شأن أغلب الطهاة الجدد الجادين، تحدث جوردون عن الطعام.
جوردون ميسور الحال بحسب معايير برو والسواد الأعظم من الناس؛ فهو طبيب أمراض عصبية، وبيته جديد أقيم على ربوة عالية شمالي المدينة في المكان الذي شغلته من قبل مزارع بديعة المنظر ولكن غير مربحة. والآن، توجد بيوت فريدة من نوعها باهظة التكلفة من تصميم مهندسين معماريين مبنية على قطع أرض مساحة القطعة نصف فدان. وإذ تصف برو بيت جوردون تقول: «هل تعرفون أن لديه أربعة حمامات؟ لذا، إذا أراد أربعة أشخاص الاستحمام في الوقت نفسه، فلن يجدوا مشكلة. قد يبدو هذا العدد مبالغا فيه، لكنه أمر رائع بحق، ولا يضطر المرء إلى أن يمر بحجرة الجلوس الرئيسية قط لدخول الحمام.»
Unknown page