Al-Amthāl min al-kitāb waʾl-sunna

الأمثال من الكتاب والسنة

Editor

د. السيد الجميلي

Publisher

دار ابن زيدون / دار أسامة-بيروت

Publisher Location

دمشق

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
٤٣ - عونك اللَّهُمَّ وَحدك الْحَمد لله ولي الْحَمد وَأَهله وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ
قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم ﵀
أما بعد فَإنَّك سَأَلتنِي عَن شَأْن الْأَمْثَال وضربها للنَّاس فَاعْلَم أَن الله تَعَالَى ضرب الْأَمْثَال للعباد فِي تَنْزِيله لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ وَقَالَ جلّ ذكره ﴿وضربنا لكم الْأَمْثَال﴾ وَقَالَ جلّ ذكره ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم﴾
ثمَّ اعْلَم بِأَن ضرب الْأَمْثَال لمن غَابَ عَن الْأَشْيَاء وخفيت عَلَيْهِ

1 / 13

الْأَشْيَاء فالعباد يَحْتَاجُونَ إِلَى ضرب الْأَمْثَال لما خفيت عَلَيْهِم الْأَشْيَاء فَضرب الله لَهُم مثلا من عِنْد أنفسهم لَا من عِنْد نَفسه ليدركوا مَا غَابَ عَنْهُم فَأَما من لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى الْأَمْثَال تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
فَلَا جرم مَا ضرب الْأَمْثَال من نَفسه لنَفسِهِ وَكَيف وَلَا مثل لَهُ وَلَا شَيْبه لَهُ فَلذَلِك قَالَ جلّ ذكره ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾
فالأمثال نموذجات الْحِكْمَة لما غَابَ عَن الأسماع والأبصار لتهدي النُّفُوس بِمَا أدْركْت عيَانًا
فَمن تَدْبِير الله لِعِبَادِهِ أَن ضرب لَهُم الْأَمْثَال من أنفسهم لحاجتهم إِلَيْهَا ليعقلوا بهَا فيدركوا مَا غَابَ عَن أَبْصَارهم وأسماعهم الظَّاهِرَة فَمن عقل الْأَمْثَال سَمَّاهُ الله تَعَالَى فِي كِتَابه عَالما لقَوْله تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾
الْأَمْثَال مرْآة النَّفس
فالأمثال مرْآة النَّفس والأنوار أنوار الصِّفَات مرْآة الْقلب وَإِن الله تَعَالَى جعل على الأفئدة أسماعا وأبصارا وَجعل فِي الرؤوس

1 / 14

أسماعا وأبصارا فَمَا أدْركْت أسماع الرؤوس وأبصارها أَيقَن بِهِ الْقلب واستقرت النَّفس واتسعت فِي علم ذَلِك وانشرح صَدره بذلك وَمَا غَابَ عَن أسماع الرؤوس وأبصارها وَجَاءَت أَخْبَارهَا عَن الله وَتلك الْأَشْيَاء مكنونة أَيقَن الْقلب بذلك وَلَكِن تحيرت النَّفس وتذبذبت
وَإِن النَّفس مستقرها فِي الْجوف وَالْقلب مستقره فِي فَوق النَّفس فالقلب كدلو مُعَلّق فِي الصَّدْر بعروقه وَبِمَا فِيهِ من الْمكنون وَتَحْته النَّفس وفيهَا الشَّهَوَات والهوى ريح من تنفس النَّار خرجت إِلَى مَحل الشَّهَوَات بِبَاب النَّار واحتملت نسيمها وأفراحها حَتَّى أوردتها على النَّفس فَإِذا هبت ريح الْهوى بِأَمْر وَجَاءَت بذلك النسيم والفرح إِلَى النَّفس تحركت النَّفس وَفَارَتْ ودب فِي الْعُرُوق طيبها ولذتها فِي أسْرع من اللحظة فَإِذا أخذت النَّفس فِي التذبذب والتمايل والاهتشاش إِلَى مَا تصور وتمثل لَهَا فِي الصَّدْر تحرّك الْقلب وتمايل هَكَذَا وَهَكَذَا من وُصُول تِلْكَ اللَّذَّة إِلَيْهِ فَإِذا لم يكن فِي الْقلب شَيْء يثقله ويسكنه مَال إِلَى النَّفس فاتفقا واتسقا على تِلْكَ الشَّهَوَات فَإِن كَانَت تِلْكَ مَنْهِيّا عَنْهَا فبرز إِلَى الْأَركان فعلهَا فَصَارَت مَعْصِيّة وذنبا
وَإِنَّمَا يثقل الْقلب بِالْعلمِ الله لِأَن الْعلم بِاللَّه يُورث الخشية

1 / 15

فَإِذا تأدت تِلْكَ الخشية إِلَى النَّفس ذبلت وَتركت التَّرَدُّد فاستقر الْقلب
الْعلم بِاللَّه يُورث الْحيَاء
وَالْعلم بِاللَّه يُورث ب فَإِذا تأدى ذَلِك الْحيَاء إِلَى النَّفس انْكَسَرت وخجلت فَإِذا جهل الْقلب ربه صَار صفة الْقلب مَعَ النَّفس على مَا وَصفنَا بديا
وَالْقلب موقن بِاللَّه تَعَالَى بِيَقِين التَّوْحِيد فَإِذا جَاءَت نَوَائِب الْأُمُور اسْتَقر الْقلب بذلك الْيَقِين لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقلب شَهْوَة وتذبذبت النَّفس وترددت بالشهوة الَّتِي فِيهَا
فَإِذا ضربت لَهَا الْأَمْثَال صَار ذَلِك الْأَمر لَهَا بذلك الْمثل كالمعاينة كَالَّذي ينظر فِي الْمرْآة فيبصر فِيهَا وَجهه ويبصر بهَا من خَلفه لِأَن ذَلِك الْمثل قد عاينه ببصر الرَّأْس فَإِذا عاين هَذَا أدْرك ذَلِك الَّذِي غَابَ عَنهُ بِهَذَا فسكنت النَّفس وانقادت للقلب واستقرت تَحت الْقلب فِي مَعْدِنهَا فَهِيَ كالعماد لسطح الْبَيْت فَإِذا تحرّك الْعِمَاد تحرّك السَّطْح وانهار وتبدد الْعِمَاد
الْأَمْثَال من الْقُرْآن
فَضرب الله الْأَمْثَال لنفوس الْعباد حَتَّى يدركوا مَا غَابَ عَن

1 / 16

أسماعهم وأبصارهم الظَّاهِرَة بِمَا عاينوا فابتدأ فِي تَنْزِيله فَضرب مثل الْمُنَافِقين فَقَالَ جلّ ذكره ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ إِنَّمَا نَحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين مثلهم كَمثل الَّذِي استوقد نَارا فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ﴾
مثل الْمُنَافِقين
قَالَ مثل الْمُنَافِق الَّذِي تكلم بِكَلِمَة الْإِيمَان مرائيا للنَّاس كَانَ لَهُ نور بِمَنْزِلَة المستوقد نَارا يمشي فِي ضوئها مَا دَامَت تتقد ناره فَإِذا ترك الْإِيمَان صَار فِي ظلمَة كمن أطفئت ناره فَقَامَ لَا يَهْتَدِي وَلَا يبصر ذَلِك

1 / 17

ثمَّ قَالَ ذهب الله بنورهم أَي بإيمَانهمْ الَّذِي تكلمُوا بِهِ وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون فِي ضَلَالَة لَا يبصرون الْهدى هَذَا قَول مقَاتل
وَقَالَ قَتَادَة هَذَا مثل ضربه الله تَعَالَى لِلْمُنَافِقِ الَّذِي تكلم بِكَلِمَة الْإِيمَان ظَاهرا فناكح ووارث بهَا وحقن بهَا دَمه وَمَاله فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمَوْت وَلم يَك مُصدقا بهَا سلبت عَنهُ فَترك فِي كرب وظلمة فتحير فِيهَا كَمَا كَانَت مُعَامَلَته فِي الدُّنْيَا فِي حق الله ﷾
وَقَالَ مُجَاهِد ﵀ أَضَاءَت مَا حوله إِلَى إقبالهم إِلَى الْمُؤمنِينَ وَذهب بنورهم يَعْنِي ذهَاب نورهم عِنْد إقبالهم إِلَى الْمُشْركين فالمنافق قلبه متحدر لَا يسْتَقرّ فِيهِ شَيْء كلما برق فِيهِ نور الْحق خرج من الْجَانِب الآخر فقلبه كنفق اليربوع يدْخل من بَاب ٤٤ وَيخرج من بَاب
مثل الْيَهُود مَعَ النَّبِي
وَهَذِه الْآيَة مثل الْيَهُود مَعَ نَبينَا ﷺ مثلهم

1 / 18

كَمثل رجل يكون فِي ضيق وتعب وَشدَّة وظلمة ينْتَظر الْفرج والمخرج والضياء والنور كَانُوا ينتظرون خُرُوج مُحَمَّد ﷺ وَعرفُوا أَنه الْحق فَكَذبُوهُ وحسدوه مَخَافَة أَن يذهب عَنْهُم عزهم ومأكلتهم
ذهب الله بنورهم أَي بالحلاوة الَّتِي كَانَت فِي قُلُوبهم عُقُوبَة لَهُم بجحودهم وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون الْهدى
وَأَيْضًا مثلهم كَمثل الَّذِي استوقد نَارا فِي مفازة مهلكة ليأمن بهَا فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله أطفئت ناره وَبَقِي فِي ظلمَة فَكَذَلِك الْيَهُود استنصروا بِهِ قبل خُرُوجه وطلبوا خُرُوجه ليأمنوا من سيف الْفرْقَة فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين يَعْنِي الْيَهُود
وَبئسَ مَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم بئس مَا ربحوا بعوض قَلِيل من الدُّنْيَا وَهُوَ مَا كَانُوا يصيبون من سفلَة الْيَهُود من المأكلة فِي كل عَام
مثل الْمُنَافِقين بتكذيب الْقُرْآن
وَقيل ﴿أَو كصيب من السَّمَاء﴾ أَي مثل الْمُنَافِقين فِي

1 / 19

الْقُرْآن مَعَ الْقُرْآن كقوم نزلُوا فِي فلاة لَيْلًا فَجَاءَهُمْ مطر شَدِيد وَإِنَّمَا شبه الْقُرْآن بالمطر لِأَن حَيَاة النَّاس فِي الْمَطَر كَمَا أَن فِي الْقُرْآن حَيَاة وَمَنْفَعَة لمن آمن بِهِ
فَمثل الْمُنَافِقين بتكذيب الْقُرْآن كَمثل مطر نزل من السَّمَاء لَيْلًا قرا وَفِيه الْبَرْق وَشدَّة الرَّعْد
يَقُول ﴿فِيهِ ظلمات﴾ يَقُول فِي هَذَا الْمَطَر ظلمات ورعد وبرق يَقُول يمطر فِي لَيْلَة مظْلمَة وَفِي ذَلِك الْمَطَر رعد وبرق فَمثل الْمَطَر مثل الْقُرْآن كَمَا أَن فِي الْمَطَر حَيَاة كَذَلِك فِي الْقُرْآن حَيَاة لمن آمن بِهِ وحياة الْآخِرَة بِالْإِيمَان
وَمثل الظُّلُمَات مثل الْكفْر وَمثل الرَّعْد مَا خوفوا بِهِ من الْوَعيد وَمثل الْبَرْق الَّذِي فِي الْمَطَر مثل الْإِيمَان وَهُوَ النُّور الَّذِي فِي الْقُرْآن يَهْتَدِي النَّاس بِبَيَان الْقُرْآن كَمَا يَهْتَدِي النَّاس فِي مثل تِلْكَ اللَّيْلَة بالبرق شبه الْقُرْآن بالمطر وَشبه تخويف الْقُرْآن بالرعد
مثل آخر قَوْله ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت﴾ أَي من خوف الصَّوْت من شدَّة الرَّعْد هَكَذَا مثل الْمُنَافِق إِذا سمع قِرَاءَة الْقُرْآن من مُحَمَّد ﷺ ختم على أُذُنَيْهِ كَرَاهَة لَهُ بِمَنْزِلَة الَّذِي يَجْعَل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ من شدَّة الصاعقة حذر الْمَوْت فالمنافق يَجْعَل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ وَلَا يسمع إِلَى صَوت

1 / 20

النَّبِي ﷺ مَخَافَة أَن يتعظ بِهِ وَتدْخل حلاوة قِرَاءَته فِي قلبه
مثل الَّذين كفرُوا
مثل الَّذِي كفرُوا أَن قُلُوبهم قاسية كالحجارة أَو أَشد قسوة ثمَّ وصف أَن من الْحِجَارَة مَا قد يخرج مِنْهَا الرُّطُوبَة ويهبط من خشيَة الله أَي يخر سَاجِدا والقلوب القاسية لَا تلين وَلَا ترطب وَلَا تخشع وَلَا تَخِر سَاجِدَة
﴿وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ أَي لَا يفهم مَعَاني الْكَلَام الَّذِي يتعظ بِهِ لَيْسَ لَهُ من مَعَاني الْقُرْآن وَكَلَام الْخَيْر إِلَّا دورة الْكَلَام
مثل مُحَمَّد ﷺ مَعَ الْكَافِر
يَعْنِي مثل مُحَمَّد ﷺ مَعَ الْكَافِر كَمثل الرَّاعِي مَعَ الْبَهِيمَة ينعق الرَّاعِي بالبهيمة وَلَا تسمع إِلَّا دُعَاء ونداء أَي تسمع الصَّوْت وَلَا تعقل مَا يُقَال لَهَا كَذَا الْكَافِر يسمع مواعظ الْقُرْآن وَلَا

1 / 21

يعقل كالبهيمة لَا يسمعُونَ إِلَّا صَوتا
ثمَّ قَالَ صم عَن الْحق فَلَا يسمعُونَ الْهدى وبكم أَي خرس عَن الْكَلَام بِالْحَقِّ يتباكمون فَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْهدى عمي عَن الْحق لَا يبصرون الْهدى فهم لَا يعْقلُونَ يَعْنِي لَا يعْقلُونَ مَا يَقُول مُحَمَّد ﷺ وَلَا يرغبون فِي الْحق وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ دعاهم إِلَى التَّوْحِيد ومواعظ الْقُرْآن حيت قَالَ جلّ ذكره ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فَقَالَ جلّ ذكره قل أولو كَانَ آباؤهم لَا يعْقلُونَ شَيْئا من الدّين وَلَا يقرونَ بوحدانية الله وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى سنة النَّبِي ﷺ أفتتبعونهم
ثمَّ ضرب لَهُم مثل الْبَهِيمَة فِي قَوْله ﷿ ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها قَالَ أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه قَالَ كم لَبِثت قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَو بعض يَوْم قَالَ بل لَبِثت مائَة عَام فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه وَانْظُر إِلَى حِمَارك ولنجعلك آيَة للنَّاس وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا فَلَمَّا تبين لَهُ قَالَ أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾

1 / 22