Al-juzʾ al-awwal
الجزء الأول
فقال: كنت هاربا من بني مروان وكنت أدور البلدان أتقرب إلى الناس بحب علي وفضائله، وكانوا يؤؤن(1) إلي ويطعمونني ويكرمونني حتى وردت بلاد الشام، وأهل الشام كلما أصبحوا لعنوا عليا عليه السلام، فدخلت مسجدا وفي نفسي منهم ما فيها فأقيمت الصلاة، فصليت الظهر وعلي كساء خلق، فلما سلم الإمام إتكىء على الحائط وأهل المسجد حضور، فلم أر أحدا [منهم](2) يتكلم توقيرا لإمامهم فإذا بصبيين قد دخلا المسجد فلما نظر إليهما الإمام قال: أدخلا مرحبا بكما ومرحبا بمن سميتكما بإسمهما، والله ما سميتكما بأسمائهما إلا حبا لمحمد وآل محمد، فإذا أحدهما يقال له: الحسن، والآخر: الحسين، فقلت فيما بيني وبين نفسي: قد أصبت اليوم حاجتي، ولا قوة إلا بالله فدنوت من الشيخ، فقلت: هل لك في حديث أقر به عينك؟ فقال: ما أحوجني إلى ذلك، وإن أقررت عيني أقررت عينيك، فقلت: حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن رسول الله-صلى الله عليه وآله-، فقال لي: من والدك ومن جدك؟ فلما عرفت أنه يريد أسماء الرجال، فقلت: محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، قال: إنا كنا مع النبي-صلى الله عليه وآله- فإذا فاطمة قد أقبلت تبكي، فقال النبي-صلى الله عليه وآله-: ((ما يبكيك يا فاطمة))؟ فقالت: يا أبه، إن الحسن والحسين قد غبرا أو قد ذهبا منذ اليوم ولا أدري أين هما، وإن عليا يسني على الدالية منذ خمسة أيام يسقي البستان، وإني قد طلبتهما في منازلك فما أحسست لهما أثرا، وإذا أبو بكر عن يمينه، فقال: ((يا أبا بكر(3)، قم فاطلب قرة عيني))، ثم قال: ((يا عمر، قم فأطلبهما، يا سلمان، يا أبا ذر، يا فلان يا فلان)) قال: فأحصينا على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- سبعين رجلا يحثهم في طلبهما فرجعوا، ولم يصيبوهما فاغتم النبي-صلى الله عليه وآله- لذلك غما شديدا ووقف على باب المسجد وهو يقول: ((بحق إبراهيم خليلك وبحق آدم صفيك إن كانا قرة عيني وثمرة فوأدي أخذا برا أو بحرا فاحفظهما وسلمهما))، فإذا جبريل عليه السلام قد هبط وقال: (يا رسول الله، إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: لا تحزن ولا تغتم الصبيان فاضلان، في الدنيا فاضلان في الآخرة، وهما في الجنة، وقد وكلت بهما ملكا يحفظهما إذا ناما وإذا قاما)) ففرح رسول الله-صلى الله عليه وآله- فرحا شديدا، ومضى ومضى جبريل عن يمينه والمسلمون حوله حتى دخل حضيرة بني النجار، فسلم على ذلك الملك الموكل بهما، ثم جثا النبي-صلى الله عليه وآله- على ركبتيه وأن الحسن معانق للحسين وهما نائمان وذلك الملك قد جعل إحدى جناحيه تحتهما والآخر فوقهما، فما زال النبي-صلى الله عليه وآله- يلثمهما حتى استيقظا فحمل النبي-صلى الله عليه وآله- الحسن، وحمل جبريل الحسين، وخرج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من الحضيرة، فقال ابن عباس: وجدنا الحسن عن يمين النبي-صلى الله عليه وآله- والحسين عن يساره، وهو يقبلهما وهو يقول: ((من أحبكما فقد أحب رسول الله، ومن أبغضكما فقد أبغض رسول الله)).
فقال أبو بكر: يا رسول الله، أعطني أحدهما أحمله؛ فقال رسول الله-صلى الله عليه وآله-:((نعم المحمول هما(1) ونعم المطية تحتهما)).
Page 52