Al-juzʾ al-awwal
الجزء الأول
قال الزبير: ثم أن رجالا من سفهاء قريش ومثيري الفتن اجتمعوا إلى عمرو بن العاص فقالوا له: إنك لسان قريش ورجلها في الجاهلية والإسلام فلا تدع الأنصار وما قالت، واكثرو عليه في ذلك، فراح إلى المسجد وفيه ناس من قريش فتكلم وقال: إن الأنصار ترى لنفسها ما ليس لها وأيم الله لوددت أن الله قضى فينا وفيهم بما أحب، ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا، أخرناهم عن كل مكروه، وقدمناهم إلى كل محبوب حتى أمنوا الخوف فلما حاز بهم ذلك صغروا حقنا ولم يرعوا ما أعظمنا من حقوقهم، ثم التفت فإذا الفضل بن العباس فندم على قوله للخؤلة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأن الأنصار كانت تعظم عليا وتهتف باسمه حينئذ فقال يا عمرو إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك وليس لنا أن نجيبك وأبو حسن شاهد ب(المدينة) إلا أن يأمرنا فنفعل، ثم رجع الفضل إلى علي فحدثه فغضب وشتم عمروا وقال: آذا الله ورسوله ثم قام فأتى المسجد فاجتمع إليه كثير من قريش فتكلم مغضبا وقال: يا معشر قريش إن حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقى ما عليكم، واذكروا إن الله رغب نبيكم عن (مكة) فنقله إلى (المدينة)، وكره له قريشا فنقله إلى الأنصار، ثم قدمنا عليهم دارهم فقاسمونا الأموال وكفونا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغني وإيثار الفقير، ثم حاربنا الناس فوقوا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى لهم آية من القرآن جمع لهم فيها بين خمس نعم فقال: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}[الحشر:9]، ألا وإن عمرو بن العاص قد قام مقاما آذا فيه الميت والحي، شأنه الواتر وسرية الموتور فاستحق من المسمع الجواب، ومن الغائب المقت وإنه من أحب الله ورسوله أحب الأنصار، فليكفف عمرو عنا نفسه.
قال الزبير: فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص فقالوا: أيها الرجل أما إذا اغضبت عليا فاكفف.
قال الزبير: وقال حسان بن ثابت:
جزى الله عنا والجزاء بكفه
سبقت قريشا بالذي أنت أهله
تمنت رجال من (قريش) أعزة
وأنت من الإسلام في كل موطن
غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبة
فكنت المرجى من لؤي بن غالب
حفظت رسول الله فينا وعهده
ألست أخاه في الهدى ووصيه
فحقك ما دامت ب(نجد) وشيحة ... أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
مكانك هيهات الهزال من السمن
بمنزلة الطيبين مائل من الرسن
أمات بها التقوى وأحيا بها الإحن
لما كان منهم والذي كان لم يكن
إليك ومن أولى به منك من ومن
وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن
علينا عظيم ثم بعد على اليمن
قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى علي بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد ........
[بياض كثير جدا في المخطوطة (أ)في صفحة 197](1).
قالوا: ولما سمع أبو قحافة وهو شيخ كبير منقطع في بيت، مكفوف عاجز عن الحركة ضوضاء الناس قال: ما الخبر؟.
فقالوا: ولي ابنك الخلافة.
فقال: ورضيت بنو عبد مناف بذلك.
قالوا: نعم.
قال: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولما توفي أبو بكر وسمع أبو قحافة الأصوات فقال: ماذا؟.
فقالوا: مات إبنك.
فقال: رزء جليل، وتوفي أبو قحافة في أيام عمر.
Page 422