وألزم الصوم والصلاة ولا
أزال دهري بالخير أأتمر
فما مضت بعد ذاك ثالثة
حتى أتاني الحبيب يعتذر
إلى آخر القصيدة.
قال رزين الكاتب عن سبب نظمه لهذه القصيدة: «اجتمعنا يوما وأبو نواس وعلي بن الخليل في سوق الكرخ، وكنا نجتمع ونتناشد الأشعار ونتذاكر الأخبار ونتحدث بها، فقال أبو نواس: أدبر من كان في نفسي وكان أسرع الخلق إلى طاعتي، فما أدري ما أحتال له؟ فقال علي بن الخليل يمازحه: يا أبا علي! سل شيخك وأستاذك يعطفه عليك، فقال أبو نواس: من تعني؟ فقال: من أنت في طاعته ليلك ونهارك، يعني إبليس! فإن لم يقض لك هذه الحاجة فما ينبغي لك أن تسأله مسألة ولا أن تقر عينه بمعصية، فقال: هو أسد لرأيه من أن يخل بي أو يخذلني. وانقضى مجلسنا ذلك، فلما كان بعد أيام اجتمعنا في ذلك الموضع وأخذنا في أحاديثنا، فضحك أبو نواس. فقلنا له: ما أضحكك؟ قال: ذكرت قول علي بن الخليل يومئذ: سل شيخك يعطفه عليك. حينئذ قد سألته يا أبا الحسن فقضى الحاجة، وما مضت والله ثالثة حتى أتاني من غير أن أبعث إليه ومن غير أن أستزيره، فعاتبني واسترضاني، وكان الغضب مني والتجني، وأحسب الشيخ - يعني إبليس - كان يتسمع علينا في وقت كلامنا».
هذه هي القصة كما رواها رزين الكاتب لا يعنينا صحت روايته أو لم تصح، فإن القصيدة لأبي نواس لا تروى لأحد غيره، ولولا دخيلة طبع مطوية على آفتها ولوازمها لقد كان اقتراح علي بن الخليل خليقا أن يوحي إلى أبي نواس أن يتوجه بالطلب إلى إبليس على غير ذلك الأسلوب، ولكنه جرى على دأبه فصنع مع إبليس ما يصنعه مع الناس، فهو يتحدى الناس بالمعصية والفسوق ويتحدى إبليس بالإصلاح والعفاف، وهي إذن خلة واحدة ذات صبغتين!
وتتمثل هذه الشهوة «النرجسية» شهوة المخالفة والمغايظة في قصيدة أخرى صور فيها إبليس بصورة المتوسل إليه بغواياته؛ ليختار منها ما يحلو له وهو يأباها غواية بعد غواية، ولا يزيد على أن يقول له: «لا» من قبيل المكايدة والمعاندة لا من قبيل الزهد والعفاف.
قال:
نمت إلى الصبح وإبليس لي
Unknown page