كأنني ما خف ميزاني
إلى أضعاف هذه الأقوال وما شاكلها في اللزوميات خاصة، وهي من بعض الوجوه أشبه الأشياء بمفكراته الشخصية، وهذا عدا ما جاء في رسالة الغفران من وصف مجالس الشراب ولذات الشاربين في الدنيا والآخرة.
فإن لم يكن في كل ما تقدم دلالة على أن الشيخ قد ذاق الخمرة وعاد إلى مذاقها بعد لزوم المحبسين ففيه دلالة على اشتهائها ومغالبة نفسه عليها، مغالبة ليس بالهين نسيانها وصرفها من ذهنه وهواجس ضميره. •••
ويرجح الظن بنزوع المعري هذا النزعة بين الخيامية والنواسية أنه كان يعيش في عصر فتنة واضطراب، وجزع على الأنفس والأعراض، وتلك عصور يشيع فيها الفساد وتندر فيها العصمة ويكثر فيها اغتنام الفرص والتهافت على اللذات، ولا سيما على ملتقى الطريق بين حضارة الروم وحضارة العرب وحضارة الفرس، وكلها في ذلك العهد حضارات أخذت في الزوال ولم تستبق من المناعة والتماسك ما يزجر النفوس ويعصم الأخلاق ويحيي شرائع الآداب.
لكن لماذا نقول الخيامية والنواسية ونفرق بين الطريقين وكلا الرجلين الخيام وأبو نواس معاقر كأس مقبل على متعة، مستخف بالذم والثناء؟
نقول ذلك لأنهما على اتفاقهما في العمل مختلفان في أسبابه ودواعيه وغاياته.
فالخيام يشرب وينعم لأنه عالج مشكلات الوجود فاستعصى عليه حلها فقنع بالساعة التي هو فيها وعمد إلى الكأس يغرق فيها شكوكه وأسفه على بطلان الحياة وعاقبة الحياة.
أما أبو نواس فلا شكوك عنده ولا مشكلات، وإنما هو شارب خمر لأنه يشتهيها ويتصدى لعقاب الآخرة في سبيلها، فالآخرة عنده حقيقة مفروغ منها وليست قضية في طريق الحل والجلاء، كما كانت في مذهب عمر الخيام.
أما أبو العلاء فهو قريب من أبي نواس في الثقافة العربية وقريب من الخيام في التفكير والبحث عن أصول الأشياء، فهو لا يكون كهذا ولا كذاك حين يستسلم لمتاع الحياة، ولكنه يكون نمطا وحده يأخذ من كليهما بما هو قريب إليه، وقد يترجم هذا النمط بعض الترجمة بقوله:
السيف والرمح قد أودى زمانهما
Unknown page