واشتد غضب حكومة الاتحاد الشمالي بقدر ما عظم فرح الجنوبيين؛ إذ كان كل فريق ينظر باهتمام شديد إلى ما عسى أن يحدث من جانب إنجلترة. وبلغ من استياء سيوارد أنه كتب احتجاجا عنيفا إلى الحكومة الإنجليزية، لم يخفف من عنفه ما أدخله عليه الرئيس من تعديل؛ فلقد كان يحرص الرئيس أشد الحرص على أن يفوت على الجنوبيين ما يأملونه من انضمام إنجلترة إليهم .
وفي هذا المأزق الشديد يأتي أحد القواد البحريين من الشمال عملا تزداد به الأمور تحرجا، حتى ليحسب الناس أن الحرب واقعة بين إنجلترة والولايات الشمالية ما من ذلك بد.
وبيان ذلك أن القائد البحري ولكس داهم سفينة إنجليزية كانت تحمل رسولين من قبل الولايات الثائرة: أحدهما إلى إنجلترة والثاني إلى فرنسا؛ ليسعيا سعيهما لدى الحكومتين الإنجليزية والفرنسية كي تأخذا بيد الاتحاد الجنوبي، وأرغم ولكس الرسولين على النزول من السفينة وأسرهما، على الرغم من احتجاج قائدها.
ووصلت الأنباء إلى واشنطون فراح الناس يعلنون إعجابهم بولكس ويثنون على عمله، وما لبثت أن انهالت عليه رسائل الإعجاب والثناء، ولقد أثنى عليه فيمن أثنوا المجلس التشريعي نفسه، وكثير من الزعماء ورجال الصحافة، وهكذا ينحاز الرأي العام إلى ولكس كما انحاز إلى فريمونت من قبل، لتزداد الأمور بذلك تعقدا وخطرا.
أما عن موقع النبأ في إنجلترة، فلك أن تتصور مبلغ ما أثار من سخط واستنكار في ظروف كتلك التي تتحدث عنها، وكذلك كان للنبأ في فرنسا موقعه الشديد وأثره السيء.
اعتبرت إنجلترة هذا العمل من جانب القائد ولكس إهانة للعلم البريطاني، الذي كان يخفق في سارية تلك الجارية التي كانت تحمل الرسولين، وأسرعت لندن فأرسلت احتجاجها إلى وشنطون وأنذرتها أنها تقابل العدوان بمثله إلا أن تتلقى الترضية الكافية! ولن ترضى إنجلترة بأقل من إطلاق الرسولين وعدم التعرض لها أينما اتجها، ثم الاعتذار عما حدث.
عندئذ اشتد هياج الولايات الشمالية، ورأت في إنذار إنجلترة إياها على هذه الصورة معاني الإذلال وسوء النية وقبح استغلال الحادث، وأصر الناس على المقاومة مهما يكن ثمنها. وأمدت إنجلترة حامية كندة، وأخذت الولايات تزيد في قوة ثغورها الشمالية، ودوت العاصفة في أذني الرئيس وفي نفسه من جديد، فلن يرضى الناس إلا بإعلان الحرب.
على أن بعض العقلاء استطاعوا أن يطيلوا الوقت المحدد للإنذار بضعة أيام؛ عل أهل الولايات وخصومهم في إنجلترة يجدون حلا تحقن به الدماء.
وأخذ الوقت يتصرم، ولكن أهل الولايات مصرون على موقفهم لا يثنيهم عنه شيء! ورئيسهم ووزراؤه يتفكرون في هذا الخطر الداهم، وكان سيوارد يميل إلى خوض غمار الحرب ضد هؤلاء الإنجليز، الذين تنطوي قلوبهم على الحقد والحنق منذ خلعت الولايات الأمريكية نير إنجلترة في عزة وإباء.
وهكذا يجد لنكولن نفسه في شدة ما مثلها شدة؛ فهو بين أن يجاري الرأي العام، وبذلك يجر على البلاد حربا خارجية طاحنة تأتي مع الحرب الداخلية القائمة في وقت واحد؛ أو يطلق الرسولين ويقضي على أسباب الخلاف بينه وبين إنجلترة؛ وبذلك يجنب البلاد خطرا محدقا، وإن تعرض بعدها للوم اللائمين وسخط الساطين واتهامات المبطلين.
Unknown page